ما بعد الانسحاب

بقلم عبداللطيف المناوى

لجنة صياغة الدستور

ما شهدته مصر من جدل خلال الفترة الأخيرة حول ما سُمى «لجنة صياغة الدستور» ينبغى ألا يتوقف عند هذا الحد: مجرد الانسحاب ومحاولة إعاقة تشكيل اللجنة، ولكن أظن أن ما حدث هو فرصة مهمة لتصحيح الأوضاع للقوى السياسية الأساسية الحاضرة فى المشهد حالياً، وأيضا فرصة لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أجل الحفاظ على ما تبقى من ملامح الدولة المدنية فى المستقبل.

أولى القوى التى ينبغى أن تراجع موقفها وتصحح أسلوب تعاملها مع الأمور هى جماعة الإخوان المسلمين ومن معها من القوى الدينية التى قررت أن تمارس السياسة فسيطرت على البرلمان فى ظرف تاريخى من الصعب أن يتكرر مرتين. أول ما ينبغى على الجماعة إدراكه فى هذه المرحلة أنهم ينبغى أن يتخلوا عن مفهوم الغنائم فى ممارستهم للسياسة، فالأمر لم يكن معركة أو غزوة، حدث أنهم أصبحوا الأغلبية فهذا يقتضى منهم التركيز على تحقيق أهداف من أعطوهم أصواتهم لأنهم كانوا الوحيدين المنظمين فى الساحة، وذلك بدلاً من الانشغال فى أمور ومعارك كلامية تدفع الآخرين للشك فى قدرتهم على تحمل المسؤولية والاختفاء خلف هذه الممارسات عالية الصوت خالية الأثر. الأمر الآخر هو التأكيد على مفهوم الشراكة فى الوطن، فالانتخابات البرلمانية لم تكن مزاداً لبيع الوطن ورسا المزاد على الإسلاميين فامتلكوا هذا الوطن، وعلى الخاسرين إخلاء العين محل المزاد.

انتصار تيار لا يجيز له الحق فى الانفراد بشؤون الوطن، وما حدث فى تشكيل لجنة كتابة وثيقة امتلاك مصر المسماة «الدستور» هو دليل على أن هذه العقلية هى المسيطرة على أسلوبهم فى الإدارة، حتى لو حاولوا الالتفاف على الأمور بالتصريح بأنهم فقط يشكلون ٣٠ فى المائة من اللجنة بينما الباقون أتوا بصفاتهم، وصادف أنهم ينتمون إلى الجماعة فوصل العدد إلى أكثر من ٧٠ فى المائة!! وتصريح آخر من أحد قيادات السلفية يؤكد فيه أنهم تنازلوا عن جزء من حصتهم (لاحظ تعبير الحصة من الغنيمة) من أجل أن يعطوا فرصة لبقية التيارات لتشارك فى اللجنة!! (علامات تعجب مرة أخرى)، أسلوب الاستحواذ والامتلاك يجب ألا يكون له مكان، والوطن ليس غنيمة معركة أو غزوة يفوز بها من انتصر ويترك الفتات للآخرين. الأمر الآخر، إحدى أهم خطايا النظام السابق التى عجلت بسقوطه، هو أسلوب الاستحواذ.

القوى الأخرى من الليبراليين والمسجلين على قوائم الليبراليين أظنهم اكتشفوا أن العمل المنسق الفاعل هو الذى يؤثر، وأن عمليات الإقصاء المتبادلة بينهم لن تجدى، وأظن أن عليهم أن يكتشفوا أيضاً أن العمل السياسى يعنى فن الممكن وأسلوب التعاون مع كل القوى التى يمكن أن تسهم فى تنفيذ الهدف، وأن النضال التليفزيونى وحده لا يكفى، بل إن هناك إجراءات على الأرض، وتنسيقاً مع كل من يتفق على حد أدنى من الأهداف الوطنية، هذا هو الطريق من أجل الحفاظ على ما تبقى من مدنية الدولة.

أما القوات المسلحة، الممثلة فى المجلس العسكرى، فهذه هى الفرصة لتأكيد ما سبق أن ادعاه دائماً من أنه يقف على مسافة متساوية من الأحزاب والقوى السياسية، وظل هذا الادعاء محل شكوك لها ما يبررها، وكثر الحديث عن صفقة بين المجلس والجماعة، وخرج العديد من المؤشرات التى تؤكد هذا على الرغم من التأكيد المستمر على عكس ذلك، هذه الحالة ساهمت فى خلق تلك الأجواء من عدم الثقة بين المجلس وبقية القوى الأخرى، التى مارست هى أيضاً أسلوباً إقصائياً نحو الجيش، مما ساهم فى ترسيخ الصورة السابقة.

أظن أن هذه فرصة سانحة ينبغى استغلالها للتأكيد على ما يكرره المجلس العسكرى دائماً من وقوفه على مسافة متساوية من الجميع، ولعل اللقاء الذى تم مقدمة للتأكيد على هذا المفهوم، ولعل هذه الحالة كلها فرصة لاستعادة صورته الحقيقية التى كانت محل شك من أطراف عدة مؤخراً، وأيضا فرصة للقوى السياسية الأخرى لإعادة حساباتها فى علاقاتها المختلفة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s