أقباط ما بعد البابا

بقلم عبداللطيف المناوى
أخطر ما يصيب أى مجتمع بشرى أن يصاب بنقص المناعة، هذا النقص يصيب أخطر ما يصيب أى مجتمع بشرى، لأن هذا النقص يعرض المجتمع للعديد من الأمراض، ويصاب المجتمع بفقدان المناعة إذا تفتّتت أوصاله إلى جزر متباعدة، متصارعة أحياناً، بحيث تحكم المصلحة الذاتية قصيرة النظر توجهات أفراده وجماعاته، وعندما يمس التطرف أفراد المجتمع من جماعاته والدولة، أو جزءا من كل من هذه الأطراف، فهذا هو الطريق لفقدان المجتمع عناصر المناعة الاجتماعية والسياسية.

أقول هذا الكلام بمناسبة رحيل البابا الذى حاول طوال فترة وجوده على كرسى الكنيسة أن يظل صمام أمان للوحدة الوطنية، وأن يقرب بين الجزر المتباعدة، التى تحاول جماعات وأطراف مختلفة إبعادها عن بعضها البعض.

ولا يمكن هنا نكران أن المجتمع المصرى عانى خلال السنوات الأخيرة، فى الحقبة الأخيرة تحديدا، من نقص مناعته لأسباب اقتصادية وسياسية واجتماعية، ولعل أبرز هذه الأسباب اختفاء المشروع القومى الذى يجمع كل المواطنين حوله، والتغيرات، أو الانقلابات السياسية المتتابعة والمفاجئة والأزمة الاقتصادية، كما تراجعت عناصر قوية فى بنية المجتمع، كل المجتمع، ومس التطرف، بمفهومه العام، كل الأطراف: «الفرد والجماعة والدولة» كل فى موقعه.

أظهرت الأزمات المتتابعة حالة الاحتقان المستتر تحت هدوء ظاهر بدا أنه غير حقيقى، وكشفت أيضاً عن أساليب لإدارة الأزمات، سواء من الدولة أو من الكنيسة، فى حاجة إلى مراجعة حقيقية من كل الأطراف، حسمت بشكل قاطع أن وجود احتقان لن يجد طريقه للزوال بمجرد صور فوتوغرافية ومشاهد تليفزيونية تجمع أصحاب العمامات السوداء والبيضاء مبتسمين ابتسامات لا تحمل من المعانى الكثير.

حتى نكون أكثر وضوحاً وتحديداً، فإن هذا الحادث أثبت بشكل قطعى أن ملف الأديان فى المجتمع بشكل عام ومشكلاته بشكل خاص لا ينبغى أن يكون ملفاً أمنياً خالصاً، بل ينبغى أن يكون ملفاً سياسياً ومجتمعياً، ويظل الجانب الأمنى فيه هو المنوط بالأمن.

فى هذا الملف، تحديداً الملف القبطى، فإن النقاش العام الواضح حول ما يراه الأقباط أو معظمهم من وجود ظلم واقع عليهم وهدر لحقوقهم، لو أن نقاشاً بهذا الشكل كان قد بدأ منذ وقت طويل من خلال القنوات المختلفة الإعلامية والسياسية والمجتمعية لما كنا قد وصلنا إلى هذه الحالة.

هذا النقاش العام يكشف حقيقة وحدود هذا الوضع الظالم الذى يعتقده الأقباط، ويكشف أيضاً: هل هذا الإحساس المطروح قبطياً إحساس مبنى على واقع أم أنه إحساس متضخم وأن الواقع مغاير لما يشعرون ويروج له بعضهم؟ هناك حديث عن قانون «همايونى» يحكم بناء الكنائس، ماذا عن واقع الكنائس فى مصر؟ هناك حديث عن تغييب حضورهم فى المناصب العامة وعن الحياة السياسية. ماذا عن الحقيقة، وماذا عن أزمة المشاركة السياسية؟ أظن أن هذا النقاش العام الحقيقى يمكن أن يكشف بوضوح: هل ما يعانى منه الأقباط أو يشعرون به حقيقى، أم أنه مبالغ فيه، أم أنه حالة يعانى منها الجميع، مسلمين ومسيحيين، وأنه يعبر عن أزمة مجتمع وليس أزمة جزء منه.

سلوك بعض من أبناء الشعب المصرى، مسلمين وأقباطاً، فى حاجة إلى مراجعة حقيقية. إرساء قواعد الدولة المدنية وإقناع أبناء الشعب المصرى بها هو أحد المخارج الرئيسية لما نحن فيه، استعادة الدولة دورها المفقود، ليس الدور الأمنى بالطبع، لكن الدور الذى تتحول فيه الدولة إلى دولة للجميع، مسلمين وأقباطا، واستعادة هذا الدور مسألة ملحة، لأن تضخم دور التيار الدينى فى المجتمع هو تعبير عن غياب أو تخلى الدولة بمفهومها المدنى عن القيام بدورها المفترض فى المجتمع.

ربما يكون رحيل البابا مناسبة مهمة لفتح هذا الملف ودق ناقوس الخطر، قبل اختيار الرئيس، وقبل اختيار اللجنة التأسيسية لوضع الدستور.

Advertisements

One comment on “أقباط ما بعد البابا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s