البابا

بقلم عبداللطيف المناوى
أرسل لى ابنى رسالة ليعزينى فى وفاة البابا شنودة قائلاً: أعلم أنه كان صديقك، واتصلت بى شقيقتى أيضا لتعزينى بمجرد أن سمعت الخبر. هذا الاتصال وهذه الرسالة كانا من بين العديد من أصدقاء وزملاء عرفوا علاقتى وتقديرى للبابا شنودة، واعتبروا أن وفاته هى مصاب شخصى بالنسبة لى، وهذا صحيح، كما أنه مصاب وطنى. الوفاة كانت متوقعة منذ فترة مع تدهور حالته الصحية، لكن هذا التوقع لم يكن أبدا سببا فى تخفيف حدة الإحساس بالفقد.

فى حياة الأمم شخصيات هى علامات بارزة فى تاريخها، وهكذا كان البابا شنودة، عرفته منذ بداية عملى الصحفى، وكان ملف المصريين الأقباط أحد الملفات التى أعرتها قدرا كبيرا من الاهتمام منذ اللحظة الأولى، وكان أول كتاب لى فى مطلع التسعينيات عن هذا الموضوع، وكان اسمه: «الأقباط، الكنيسة أم الوطن؟» وتناولت فى هذا الكتاب الموضوع بتفاصيله، كما كان من أوائل الكتب التى تناولت الكنيسة المصرية فى مرحلة تطورها المهم الذى بدأت مؤشراته مع نهاية الأربعينيات بدخول الرهبان المتعلمين الكنيسة، وبدأت ثماره فى الوضوح مع تولى نظير جيد الذى أصبح اسمه الأنبا شنودة مقاليد هذه الكنيسة عام ١٩٧١، كابن لهذا الجيل الجديد الذى أراد للكنيسة مساراً ودوراً آخرين.

أثناء كتابتى لهذا الكتاب حانت لى الفرصة لألتقى البابا شنودة مرات عديدة فى الكاتدرائية، وأقمت معه فى دير وادى النطرون عدة أيام سجلت فيها قصته ورؤيته من زاويته، وتناولت طبيعة العلاقة بينه وبين السادات، وكذلك التطور الذى شهدته الكنيسة المصرية من حالة الاهتمام المطلق بالجانب الدينى إلى قيامها بأدوار أخرى كانت سبباً فى جدل كبير طوال العقود الماضية، هذا الجدل والاختلاف فى الرؤى امتد ليشمل جميع أطياف المصريين بمن فيهم جزء من الأقباط الذين تحفظوا على هذا الدور المتنامى للكنيسة فى الحياة العامة على حساب ما اعتبروه النخبة القبطية من غير رجال الدين، أو من اصطلح البعض على تسميتهم بالعلمانيين الأقباط.

لم ينقطع اتصالى بالبابا شنودة منذ نهاية الثمانينيات، حتى عندما كنت مقيما فى لندن فى التسعينيات كانت زيارته فرصة دائمة لى لألتقيه وأطمئن عليه، وكان آخر لقاء لى معه منذ عام بالضبط، كان عائداً لتوه من العلاج والتقيته ومعه عدد محدود من مساعديه لمدة ساعتين، وأحسست بالقلق الكبير الذى ينتابه، بل ينتاب كل من حوله، لكنه مع كل هذا القلق لم يتراجع قط عن تفاؤله بهذا الوطن الذى كان يكرر دائما بأنه وطن يعيش فينا، وكان مؤمنا بأن الله لن يترك هذا البلد للأخطار، بل سيحميه دوما. أما اتصالى الأخير به فكان منذ حوالى الشهرين، وكان فى أمريكا يتلقى العلاج، ورغم الصوت الواهن إلا أننى استطعت أن ألمس فيه تلك النبرة المتفائلة السمحة المبتسمة.

لن يكون هناك إجماع على شخص، وأعلم وأرى وأتوقع أن العديد سوف يقف منتقدا البابا شنودة ومهاجما للأسف فى هذه اللحظات، لكننى أستغل هذا الموقف لأقول إن الاختلاف مع رؤية البابا شنودة فى بعض القضايا، والتى كنت أنا أختلف معه فى بعضها، لا ينتقص إطلاقا من وطنية هذا الرجل، لقد أحب الوطن بقناعته، وخدم الوطن كما اعتقد أنه الطريق الصحيح، وأظن أن هذا يكفى لكى نقدره ونفتقده. شهادة أشهدها بأنه لم يكن عنيدا عندما يرى طريقا لحماية الوطن. لم يكن ليتأخر فى اتخاذ القرار حتى لو كان سيعرضه للهجوم من بعض ممن حوله، وهنا أستحضر جريمة تفجير القديسين، وقبلها الأزمة التى سببتها تصريحات الأنبا بيشوى، وقتها – وكنت أنا عاملا مشتركا فى الأزمتين – لم يتردد فى اتخاذ الخطوة الصحيحة لتأمين الوطن حتى إن عارضه الأقربون.

رجال كالبابا شنودة لا نملك إلا أن نقدرهم ونحترمهم ونكبر فيهم وطنيتهم، عندما يكونون على قيد الحياة نختلف ونتفق معهم، ندعم رؤيتهم عندما نتفق معها، ونعترض عليها بل نعرقلها إذا لم نتفق معها، لكن هذا الخلاف يظل دائما تحت مظلة الوطن الواحد، وهو اختلاف فى الاجتهاد من أجل ما يعتقد كل طرف أنه الطريق الأصح. وعندما يغيب مثل هؤلاء الرجال، فإن كل الاختلافات تتراجع ويتصدر المشهد كل التقدير والاحترام لرجل أحب وطنه وناسه بالأسلوب الذى آمن أنه الصحيح حتى لو اختلفنا مع بعض تفاصيله. لذلك أقول إن خسارتنا جميعا كمصريين كبيرة لغياب أحد أكثر عشاق الوطن. رحمه الله ووفق من بيدهم الاختيار الأولى لاختيار ثلاثة يمثلون امتدادا للتعايش والتسامح الذى يميز المسيحية ليكون أحدهم بمشيئة الله البابا القادم.

Advertisements

One comment on “البابا

  1. فعلا كان رجل وطنى من الطراز الاول وللاسف افقتقدته مصر في هذه الفترة الحرجة من تاريخها والتي هى فى اشد الحاجة لاشخاص وطنيين مثله 😦

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s