«الظواهرى» والجهاد ووقف العنف

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

عندما كتبت فى المقال الماضى سؤال: «متى يعود أيمن الظواهرى؟» لم يكن ذلك مناقضا للاعتقاد اليقينى الذى أتبناه أن كل أبناء الوطن يملكون الحق المتساوى داخل أوطانهم، لكن فى نفس الوقت ينبغى أن يمتلك هذا الوطن القوانين والسبل والوسائل التى تضمن تأمين كل أبناء الوطن من أى خطر أو مخاطرة. وعندما أشرت إلى علاقتى بقيادات من التيار الإسلامى السياسى والجهادى لم يكن ذلك تلوناً أو ممارسة لسلوك من يحاول أن يكون رجلا لكل العصور، كما اتهمنى أحد القراء الكرام، فهذه العلاقة علاقة قديمة تعود إلى منتصف الثمانينيات عندما بدأت الاهتمام كصحفى بهذا الملف المهم الذى كان يتطور بسرعة، وتوطدت علاقاتى بهذه القيادات على الرغم من الاختلاف السياسى الواضح بينى وبينهم، إلا أن الاحترام المتبادل والثقة المتبادلة ظلا دائما هما العنوان الرئيسى لهذه العلاقة.

عندما ظهرت إلى النور مبادرة وقف العنف من الجماعة الإسلامية تواصلت مع قيادات الجماعة حتى قبل أن يخرجوا من السجون، وذلك من خلال مهنتى الصحفية، وتبنيت وقتها الدعوة إلى أهمية الاستقبال الإيجابى لهذه المبادرة، وإعادة فتح الباب مرة أخرى لأبناء الوطن حتى لو أخطأوا للعودة إلى نسيجه، وكانت هذه الدعوة تلقى معارضة من أطراف مختلفة داخل الدولة وبعض تيارات المعارضة، وكانت حجتى فى هذه الدعوة أنه حتى لو لم يكن أعضاء الجماعة صادقين فى مبادرتهم، فإن هذا يجب ألا يكون مانعاً لاختبار صدقهم وجديتهم ماداموا يؤكدون الصدق والجدية، فقط طالبت بأن تكون العيون مفتوحة، والاحتياطات لعدم السماح لأعضاء الجماعة بالعودة إلى العنف ينبغى أن تتخذ حماية للمجتمع.

تجربة مبادرة وقف العنف كانت إحدى التجارب المهمة والناجحة خلال العقد الماضى، ولم تأخذ حقها كاملا فى التعاطى معها، وذلك بسبب الحساسية المفرطة من قبل بعض القيادات الكبيرة فى النظام السابق. إذن إعطاء الفرصة لأبناء المجتمع جميعا حتى من أساء إليه هو أمر آمنت به وطالبت به دوما، ولكن بشرط ضمان تأمين المجتمع، وامتلاك القدرة على هذا التأمين.

وهذا التأمين يأتى من خلال وجود منظومة من القوانين القادرة على حماية المجتمع، والموازى فى الأهمية لهذه القوانين هو وجود الأدوات القادرة على تنفيذ القانون، وامتلاك القدرة على حماية المجتمع من أبناء له مارسوا ممارسات عنف تجاه هذا المجتمع، وليست هناك ضمانات أو تأكيدات بأن ذلك لن يحدث مرة أخرى. والسؤال هنا الآن: هل تمتلك الإدارة المصرية فى الوقت الراهن ما يمكن أن يحقق هذه الشروط الأساسية لتأمين المجتمع؟ هل قدم أولئك الخارجون من السجون والعائدون من إيران وأفغانستان أى مبادرة أو تأكيدات أو تصريحات تفيد بعكس ما مارسوا لسنوات طويلة فى الداخل والخارج؟ وهل الظرف السياسى الحالى يسمح بحق بإثارة مخاوف وشكوك فى هذه المرحلة؟

إن المتابع لتزايد نبرة الدعوات الجهادية لعدد من المحسوبين على تيار الجهاد الإسلامى لا يملك إلا أن يصاب بالفزع مما هو قادم، وإذا أضفنا إلى ذلك حالة الصمت المتآمر على هذه النزعة من قبل تيارات الإسلام السياسى الأخرى التى تدعى الاعتدال، أو بعض القوى السياسية التى تدعى الليبرالية، وذلك فى سلوك وصفه المهذب «انتهازية سياسية» على حساب مصلحة الوطن.

هذا الوضع المتمثل فى العودة غير المشروطة وغير المتحكم فيها، وفى ظل حالة عدم المقدرة القانونية أو الأمنية على حماية المجتمع، ومع تزايد النبرة الجهادية التى تتخذ العنف سبيلا أو مفهوما للجهاد، كل هذا مغلف بحالة التواطؤ الواضحة من القوى الأخرى، أظن أن صورة بهذا الشكل لن تفعل سوى الإحساس العميق بالخطر لدى من يتوقف لينظر إلى الصورة بعناصرها.

كلمة أوجهها إلى أصدقائى من القيادات التاريخية للجماعة الإسلامية: أنتم من طرحتم مبادرة وقف العنف، وحاربتم من أجل تأكيد صدق توجهكم، أظن أن المحاولة التى يقوم بها بعض من أعضاء الجماعة للإفراج عن أعضاء الجماعة الذين يقضون عقوبة السجن فى إثيوبيا لمحاولتهم اغتيال الرئيس السابق مبارك فى أديس أبابا هى خطوة خاطئة لن تتسبب إلا فى إعادة الشك مرة أخرى فى صدق طرحكم السابق. لقد اقتنعت مع قليلين بصدقكم، والدعوة اليوم للعفو عن جريمة إرهابية، إرهابية بمفهوم السياسة والقانون وبحسب مراجعاتكم، لن تجنوا منها إلا الشك فى صدق كل ما حاولتم تأكيده فى مبادرتكم، التى أظنها صادقة وقتها، لوقف العنف.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s