يوم الشهيد

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد المنعم رياض

تتكاثر علينا الأحداث فتتوارى فى الذاكرة أحداث مهمة وأسماء لا ينبغى أن تنسى، ونهمل فى تعليم أبنائنا، فلا يعرفون كثيراً مما يجب أن يعرفوه، فيتحول عباس العقاد إلى شارع، وعبدالمنعم رياض إلى ميدان، وكما فقدت وظائف وألقاب وأدوار معناها من سوء استخدامها، فقدت أيضاً أيام معناها، لأنها تحولت إلى مجرد أيام تحمل أسماء لم نعد نقف أمامها، وكل ما فات خطأ كبير.

غداً هو يوم الشهيد، هو اليوم الذى استشهد فيه اللواء عبدالمنعم رياض، الذى حمل رتبة «الفريق أول» بعد استشهاده، وقصة عبدالمنعم رياض فى ذاتها هى قصة ينبغى أن نذكرها ونعلمها لأبنائنا. واستحضار معنى «الشهادة» ومفهوم «الشهيد» هو أيضاً أحد الأمور التى ينبغى أن تكون حاضرة دائما، لأن هؤلاء هم الذين رووا بدمائهم مستقبل هذا الوطن.

ولد الفريق محمد عبدالمنعم محمد رياض عبدالله فى قرية سبرباى، إحدى ضواحى مدينة طنطا، فى ٢٢ أكتوبر عام ١٩١٩، درس فى كتاب القرية وتدرج فى التعليم، وبعد حصوله على الثانوية العامة التحق بكلية الطب بناء على رغبة أسرته، لكنه بعد عامين من الدراسة فضل الالتحاق بالكلية الحربية التى كان متعلقاً بها، انتهى من دراسته عام ١٩٣٩ برتبة «ملازم ثان»، ونال شهادة الماجستير فى العلوم العسكرية وكان ترتيبه «الأول»، وأتم دراسته كمعلم مدفعية مضادة للطائرات بامتياز فى إنجلترا عامى ١٩٤٥ و١٩٤٦.

بعد النكسة استدعى الرئيس جمال عبدالناصر اللواء عبدالمنعم رياض، وعيّنه رئيساً للأركان. وكان من أقوال البطل الشهيد «إذا وفرنا للمعركة القدرات القتالية المناسبة وأتحنا لها الوقت الكافى للإعداد والتجهيز وهيأنا لها الظروف المواتية فليس ثمة شك فى النصر الذى وعدنا الله إياه». وبدأ الإعداد ومعه حرب الاستنزاف والعديد من العمليات العسكرية التى أسفرت عن تدمير ٦٠% من تحصينات خط بارليف الذى تحول من خط دفاعى إلى مجرد إنذار مبكر، وتدمير المدمرة الإسرائيلية إيلات فى ٢١ أكتوبر ١٩٦٧ وإسقاط بعض الطائرات الحربية الإسرائيلية خلال عامى ١٩٦٧ و١٩٦٨.

ونجح فى كسر أسطورة عسكرية، فقد كان العسكريون فى وقتها يؤمنون بأنه لا يمكن مواجهة دبابة إلا بدبابة، فقد كان صاحب إضافة جديدة فى حرب المدرعات منذ عام ١٩٦٨، حيث كان يتم تدريب المشاة عليها فى سرية شديدة، ليصبح الجندى المصرى فى حرب أكتوبر مدمراً للدبابة، ولعل من هنا خرج لمصر أبطال آخرون مثل: محمد المصرى الذى دمر ٢٧ دبابة وعبدالعاطى عبدالله الذى دمر ٢٦ دبابة خلال حرب أكتوبر، وقد كسرا بذلك رقم أحد الجنود الروس الذى دمر ٧ دبابات فى الحرب العالمية. أما أكبر إنجازاته على الإطلاق فهو تصميمه الخطة (٢٠٠) الحربية التى كانت الأصل فى الخطة (جرانيت) التى طُورت بعد ذلك، لتصبح خطة العمليات فى حرب أكتوبر تحت مسمى (بدر).

صدق مع الله، فصدق الله معه: «أنا لست أقل من أى جندى يدافع عن الجبهة، ولابد أن أكون بينهم فى كل لحظة من لحظات البطولة».. «إذا حاربنا حرب القادة فى المكاتب بالقاهرة فالهزيمة تصبح لنا محققة.. إن مكان القادة الصحيح هو وسط جنودهم وفى مقدمة الصفوف الأمامية». لم تكن هذه مجرد كلمات يلقيها القائد على جنوده ليحمسهم، لكنها كانت إيماناً داخلياً وشعوراً يملك وجدان وفكر الشهيد. فقد أشرف على الخطة المصرية لتدمير خط بارليف، خلال حرب الاستنزاف، ورأى أن يشرف على تنفيذها بنفسه، وتحدد يوم السبت ٨ مارس ١٩٦٩ موعداً لبدء تنفيذ الخطة، وفى التوقيت المحدد انطلقت نيران المصريين على طول خط الجبهة، لتكبد الإسرائيليين أكبر قدر من الخسائر فى ساعات قليلة، وتم تدمير جزء من مواقع خط بارليف وإسكات بعض مواقع مدفعيته فى أعنف اشتباك شهدته الجبهة قبل معارك ١٩٧٣.

وفى صبيحة اليوم التالى قرر عبدالمنعم رياض أن يتوجه بنفسه إلى الجبهة، ليرى عن كثب نتائج المعركة ويشارك جنوده فى مواجهة الموقف، وقرر أن يزور أكثر المواقع تقدماً، والتى لم تكن تبعد عن مرمى النيران الإسرائيلية سوى ٢٥٠ مترا، ووقع اختياره على الموقع رقم ٦، وكان أول موقع يفتح نيرانه بتركيز شديد على دشم العدو فى اليوم السابق، ويشهد هذا الموقع الدقائق الأخيرة فى حياة الفريق عبدالمنعم رياض، حيث انهالت نيران العدو فجأة على المنطقة التى كان يقف فيها وسط جنوده، واستمرت المعركة التى كان يقودها الفريق عبدالمنعم بنفسه حوالى ساعة ونصف الساعة، إلى أن انفجرت إحدى طلقات المدفعية بالقرب من الحفرة التى كان يقود المعركة منها ونتيجة للشظايا القاتلة وتفريغ الهواء توفى عبدالمنعم رياض بعد ٣٢ عاما قضاها عاملا فى الجيش، متأثرا بجراحه.

هذه باختصار قصة شهيد الوطن عبدالمنعم رياض، الذى اختير يوم شهادته، ليكون يوماً للشهيد فى مصر. وقبل أن أختم أطالب بإعادة النظر فى التعامل مع شهداء مصر وجرحاها فى الحروب التى خاضها جيش مصر، من أجل الحفاظ على هذا الوطن، فقد علمت أن مصابى حرب أكتوبر يحصلون على حوالى ٧٠٠ جنيه شهريا، أما المكافأة التى حصلت عليها عائلة الشهيد عبدالمنعم رياض فكانت خمسة آلاف جنيه، أظن أنه آن الأوان لإعادة النظر فى هذا الوضع وفى مفهوم «الشهيد».

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s