انتحار وطن على أيدى أبنائه

بقلم: عبد اللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

لماذا فشلت الدعوة للعصيان المدنى؟ سوف يتطوع الكثيرون لتقديم تفسيرات عديدة، منها أن الأصوات العالية التى صمَّت الآذان خلال الفترة الماضية ثبت أنها ليست تعبيراً عن القطاع الأكبر من المصريين، وقد يفسر آخر بأن السبب يعود إلى وعى وإدراك الشعب المصرى لحدود الفعل ومتى يتوقف،

 ويفسر آخر بأن ذلك يعود إلى أن الناس قد كشفوا هؤلاء الزاعقين من أجل العصيان وهم لا يدركون خطورة ذلك على البلاد والعباد، وسوف يذهب آخر إلى القول بأن ذلك يقف دليلاً قوياً على أن الشعب،

 أو معظمه، قد اختار الوقوف خلف المجلس العسكرى، مجدداً الثقة فيه رغم الحملة الشرسة التى تعرض لها ومازال – كل ما فات وأكثر منه تتبارى الأطراف والأشخاص فى تقديمه تفسيراً لسبب فشل دعوة العصيان، لكن مع اتفاقى مع بعض هذه التفسيرات واختلافى مع البعض الآخر إلا أننى أعتقد أن السبب هو أبسط – لكنه أخطر

– من كل ما فات، أظن أن السبب الرئيسى هو أن الناس ببساطة تعبت. نعم أصاب الإجهاد الناس من كل ما مروا به،

 من الإحساس بضياع الوطن من بين أيديهم لأسباب بدت فى معظمها عبثية، من الرعب الذى بات يسكن كل النفوس نتيجة فقدان الإحساس بالأمن، من الخشية من يوم يستيقظون فيه فلا يجدون أمامهم سوى الكلمات والشعارات، بينما يغيب رغيف العيش والإحساس بالأمان. امتزج مع إحساس التعب إحساس آخر أظنه تجاوز حدود الناس إلى المؤسسات وبعض القوى السياسية والنقابية وهو الإحساس بالخطر،

 إحساس الخطر قادر على أن يجمع الناس مهما اختلفت أهواؤهم السياسية والاجتماعية والفكرية، ومن كثرة ما مر بوطننا خلال الفترة الماضية من حوادث وهزات يبدو أن الإحساس بالخطر سكن النفوس، وهو إحساس حقيقى. من ينظر إلى الحادث فى مصر الآن سوف يمكنه، بقليل من الحس والفهم، أن يدرك ويفهم من أين يأتى ذلك الرعب على المستقبل.

ما شهدته مصر من تغيير اتفق عليه معظم المصريين، حتى أولئك الذين كانوا يرفضون أو يتحفظون على التغيير أثبتت لهم الوقائع أن التغيير كان حتمياً بطريقة أو بأخرى، لذلك أظن أن الأغلبية الساحقة تتفق مع هذا المفهوم لكن حتى حدود معينة، والخطأ الذى وقعت فيه بعض القوى السياسية والشبابية أنها لم تضع فى اعتبارها أن الاندفاع من أجل الإطاحة الكاملة بالدولة،

 حتى وإن لاقت قبولاً فى البداية فى ظل الحماسة التالية لإسقاط النظام، إلا أنها – أى الإطاحة بالدولة – سوف تصطدم بالضرورة برغبة الناس – معظم الناس – فيما بعد فى البحث عن الاستقرار، وهذا ما لم تدركه معظم هذه القوى التى ارتفعت عقيرتها واستخدمت جميع الأساليب الدافعة للأصوات العاقلة أو المتزنة لأن تتوارى خوفاً من أن يصيبها هذا الصراخ وهذا الهجوم بما لا تحب،

 وتوازى مع ذلك تخاذل قطاع كبير ممن احتل موقع النخبة فبات ينافق ويهادن ويداهن، وعدد من الزملاء الإعلاميين الذين وجدوا أن سلوك الطريق السهل الذى لا يختلف عن سلوك من احتل موقع النخبة هو السلوك الأأمن، فلم يعد على الساحة إلا صوت واحد غطى على كل الأصوات الأخرى، وأصاب المجتمع بحالة من الصمم حالت دون تسلل أى أصوات مختلفة، وأصاب الكثيرين بحالة من الخرس الاختيارى اتقاء لحملات تخويف هم فى غنى عنها.

عدم التجاوب الشعبى مع الدعوة إلى العصيان المدنى ينبغى أن يكون رسالة واضحة للجميع، هى رسالة تعب وخوف، وعلى الأطراف المختلفة أن تتلقف هذه الرسالة وتعمل وفقا لمغزاها: من يديرون البلاد لا يغرنهم الإحساس بأن الناس وقفوا معهم ضد دعوة العصيان، هذا بداية الخطأ، فهم لم يختاروا بين طرفين فاختاروكم لكنه كان اختياراً بين الاندفاع أكثر إلى المجهول وبين كبح جماح الحركة الجنونية المصرة على الدفع إلى المجهول،

 وهذا يلقى على من يديرون الدولة مسؤولية أن يقرأوا نبض الشارع ويتعاملوا معه بإيجابية، أما القوى السياسية الأخرى التى اعتقدت أن هذا الطريق سوف يؤدى إلى تحقيق أهدافها الثورية

– دون أن أناقشها – فإن عليها الآن أن تستمع إلى صوت الأغلبية التى قررت أكثر من مرة الاتجاه الذى تريده، وأظن أن تحدى هذا القرار وهذه الإرادة لا يمكن فهمه بأنه فى صالح هذا الوطن وهؤلاء الناس،

 لذلك فإننى عندما أقرأ أن هناك دعوات جديدة تطالب بالعصيان المدنى، خلال الأيام المقبلة رغم الرفض الشعبى الواضح فإننى لا أجد إلا أن أضم صوتى إلى أولئك الذين يعربون عن أسفهم لإصرار البعض على تحدى إرادة الناس والإصرار على زرع بذور القلق وعدم الاستقرار.

إن ما شهدته مصر، خلال الفترة القصيرة الماضية، كان يعطى الانطباع بأنها دولة قررت أن تنتحر على أيدى أبنائها، الاتهام بالخيانة بات يسيراً، الكل يدفع نحو الصدام، تفسير المؤامرة هو التفسير الأسهل، البحث عن شماعات أخطاء: الإصرار على تغييب الأمن وخلق حالة فوضى، ضرب الثقة فى جميع مؤسسات الدولة أو ما بقى منها، الخلط بين المفاهيم وإهانة كل ما له صلة باستمرار واستقرار كيان الدولة

 – أو ما بقى منها – دق الأسافين بين أبناء الوطن ودفع النعرات العرقية والدينية إلى الظهور، البحث عن التفسيرات السهلة لكل ما يحدث دون أن نواجه أنفسنا بالحقيقة. كل هذه الظواهر لو وضعناها معاً لما أعطتنا إلا نتيجة واحدة، هى أن أبناء هذا الوطن أو جزءاً منهم بوعى أو دون وعى يدفعون الوطن إلى الانتحار، وهو فى هذه الحالة لا يعتبر انتحاراً لكنه اغتيال وطن، وهذا ما لا يمكن أن يقبل به مصرى.

رابط المقال على موقع المصري اليوم: http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=328175

Advertisements

0 تعليقات على “انتحار وطن على أيدى أبنائه

  1. استاذ عبد اللطيف بعد قرائتى للمقال …. ارى و هذا رايى … اننا نغرق فى التفاصيل السياسيه و تركيزنا فى الاساس على م يحكم و كيف يحكم و لم نتحدث مطلقا على الملف السياسى الذى يجب ان ينفصل عن هذا الملف و بسرعه …. بما معناه المشروعات القوميه التى تاخذ الشباب الى مناطق اخرى …. صدقنى و هذا رايى …. اى مشروعات قوميه بشكل منفصل و مطور ستؤدى الى تسيير البلاد الى نقاط جيده و بعيده عن فقط من يحكم و من يسيطر … ستاخذنا التفاصيل فى كيف نعمل و كيف ندير و كيف ننتج و لماذا ننتج و تاثيره على الناس و هو جديد و باشخاص ليست لهم صلات بالنظام السابق الى الفكره المختلفه عن الدوله … خصوصا و ان الاعلام و الصحافه فى الفتره القادمه قدمت نموذجا عن الدوله فى النظام السابق على انها كلها فاشله و ان الانتاج كان فقط لمصلحه النظام و ليس لمصلحه مجتمع له احتياجات …. من رايى التركيز على ذلك هو الاهم .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s