لا أحد يحتكر الحقيقة

بقلم: عبد اللطيف المناوى

غلاف كتاب الأيام الأخيرة لنظام مبارك

لا أحد يمتلك الحقيقة كلها، لكنها – أى الحقيقة – تتكون من أجزاء متعددة، تمتلكها أطراف مختلفة، بجمعها معا تكتمل الصورة.

إحدى القصص الكلاسيكية المعروفة هى قصة مجموعة العميان الذين طلب منهم وصف الفيل ووضعوهم حوله، ووصف كل منهم جسد الفيل كما لمسه من زاويته، أحدهم وصفه كشجرة ضخمة، والآخر وصفه كخرطوم كبير، والثالث كمروحة كبيرة. جميعهم وصفوا وصفا صحيحا الحقيقة كما بدت من زاوية كل منهم، وجميعهم لم يدركوا الحقيقة كلها، جميعهم مصيبون ومخطئون بشكل جزئى.. وهكذا رواية التاريخ وتوثيقه.

كنت من أولئك الذين امتلكوا زاوية من زوايا الحدث الأهم الذى شهدته مصر فى الخامس والعشرين من يناير، لا أدعى امتلاك الحقيقة ولكنى أمتلكها من الجزء الذى رأيت، من الزاوية التى كنت فيها، وأظنها كانت زاوية مهمة. الجزء الذى أمتلك يحتاج أن يتكامل مع الزوايا الأخرى لنمتلك ساعتها الحقيقة التى لا يحتكرها طرف، ولا ينبغى على طرف أن يمتنع عن تقديم ما لديه من شهادة لتكتمل الصورة. ما يأتى هو إشارة لهذا المعنى من شهادتى التى وضعتها بين دفتى كتاب كجزء من وصفى لحقيقة ما حدث.

خطوات ضابط الحرس الجمهورى بحذائه الثقيل الذى كان وقعُها يدوّى على أرضية المكتب – رغم ضجيج المظاهرات فى الخارج – لم تحمل حسمًا أو نهاية، بل كانت حلقة فى سلسلة من التطورات الحادة المفاجئة والمفهومة فيما بعد، التى شهدتها مصر منذ٢٥ يناير- التاريخ الرسمى لبدء ثورة المصريين – إلى ١١ فبراير؛ ذلك عندما أعلن الرئيس المصرى السابق حسنى مبارك تنحيّه عن السلطة، وبه كان سقوطُ النظام.

شاهدتُ مقدماتِ هذه الثورة، الإعداد لها، المعلومات التى توفرتْ لأجهزة الدولة عنها، وشاهدتُ كيف أدارت الدولة المصرية أكبر أزمة فى تاريخها، وكيف تعامل مديرو الأزمة فى القيادة المصرية مع الدولة بالتهوين من شأن ما يجرى، سواء أكان ذلك من مظاهرات ٢٥ يناير، أم من المشاركين فيها، وكيف أثرتْ الثقةُ الزائدة فى قوة النظام ورسوخه فى التعامل مع الأزمة.. كيف أدارتْ مؤسسةُ الرئاسة الأزمةَ بقيادة جمال مبارك – نجل الرئيس – هو ومجموعة صغيرة حوله؟ كنتُ على اتصال دائم بهم؛ أقول: هو والذين معه فشلوا جميعًا فى اتخاذ القرارات الصحيحة فى الوقت المناسب من عمر الأزمة. ورأيت كيف تعامل الجيش ـ الذى كنت على اتصال دائم معه – مع هذه الأزمة منذ اللحظة الأولى.

الإعلام الحكومىّ الذى كنت أجاهد لكى يكونَ إعلامَ دولة بمفهوم الملكية العامة، كان هدفًا لكل القوى الفاعلة فى الأزمة. الجميعُ كان يعمل من أجل السيطرة عليه. هذا الأمر جعلنى قادرًا على رؤية ما يحدث فى تلك الفترة المهمة؛ فقد كنت كمنْ سكن مركز جسد تتنازع أجزاؤه السيطرة عليه فى لُعبة أو معركة، فقُدِّر لى أن أرى جزءًا مهمًا من تفاصيل هذه اللعبة، أو تلك المعركة.

كاد مبارك ينجو من الإطاحة به بعد خطابه فى أول فبراير، وله ما كسب من تعاطف الناس بشكلٍ فاجأ به بعض القوى داخل النظام، وفى اليوم التالى، سُفكتْ دماء على أرض التحرير بسبب المعركة بين أنصار الرئيس والمعتصمين فى التحرير.. كانت هذه المعركة التى اصطُلحَ على تسميتها إعلاميًا بـ«معركة الجمل»، هى الإعلان الحقيقى عن نهاية حكم مبارك، حتى لو تأخر تسعة أيام بعد ذلك، هذه المعركة بدأ التخطيط لها بعد ساعات من الخطاب، وحاول الجميع استخدام التليفزيون الوطنى فيها، وكانت هذه معركة أخرى.

منذ اللحظة الأولى للأحداث، كنتُ نقطة الاتصال الرئيسية فى الإعلام، وكان علىَّ فى أوقات عدة اتخاذُ قرارات حاسمة فى إدارة الصراع وقتها، من بينها رغبةُ معسكر الرئاسة فى الأيام الأولى فى دعم وزير الداخلية حبيب العادلى، ليستمر فى منصبه، وهو الأمر الذى كان يمكن أن يزيد الأمور تعقيدا، ورأيت – بصفتى- إعاقة هذا الأمر، وكذلك عدم السماح لمعسكر الرئاسة بحجب إذاعة بيانات الجيش، وهو الأمر الذى لو كان قد حدث لدفع بصدام لا يعرف أحد مداه.

لا أستطيع القول إننى أمتلك كل الحقيقة، لكن المُؤكّد أنَّ لدىّ من تفاصيل الصورة الكثير، مما لم يُتحْ لغيرى أن يراه أو يعلمه.

وجدت نفسى وسط أكبر عملية تغيير تشهدها مصر على هذا المستوى منذ أكثر من٤٥ قرنا، وجدتُ نفسى – مع ما أملكه من اتصالات مع الأطراف المختلفة ـ مشاركًا، ولو بقدر، فى إدارة الأمور.

طوال ١٨ يوما (ثمانية عشر يوما) بدءًا من ٢٥ يناير إلى ١١ فبراير، مكثتُ فى مكتبى فى التليفزيون، تحت حصارٍ مستمر، أقود مجموعة من الزملاء، آمنوا بما يفعلون، وقد خلقَ ذلك بيننا عَلاقةً ذات طابع خاص.

هذا الكتاب هو محاولة للإجابة عن كثير من الأسئلة، تمكنتُ من معرفة الإجابة عنها من خلال وجودى فى هذا المكان، ومن خلال اتصالاتى، ومن خلال مشاركتى فى الأحداث.

هذا الكتاب يحتوى على العديد من الأسرار التى يمكن القول عنها: إنها تنشر لأول مرة، بل يمكن القول: إن مستوى الدقة فى هذه المعلومات سيكون عالياً، مما يمكِّنُ من الاعتماد عليه، أو الرجوع إليه فى أى مرحلة؛ لـتأريخ ما حدث فى مصر فى هذه الفترة.

رابط المقال على موقع المصري اليوم: http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=326481

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s