«المصري اليوم» تنشر حصرياً حلقات من كتاب عبداللطيف المناوى «الأيام الأخيرة لنظام مبارك» (الحلقة الأولى )

بقلم: عبد اللطيف المناوي

غلاف كتاب الأيام الأخيرة لنظام مبارك

تبدأ «المصرى اليوم»، اعتباراً من اليوم، نشر حلقات من كتاب «الأيام الأخيرة لنظام مبارك.. ١٨ يوماً.. أسرار القصر الجمهورى وكواليس ماسبيرو» للإعلامى عبداللطيف المناوى، الرئيس السابق لقطاع الأخبار فى التليفزيون المصرى، وهو الكتاب الذى صدر مؤخراً فى طبعتين باللغتين العربية والإنجليزية عن الدار المصرية اللبنانية. ويقدم «المناوى» فى كتابه تفاصيل سرية، لم تنشر من قبل، عما كان يجرى فى القصر الجمهورى خلال الفترة بين ٢٥ يناير و١١ فبراير، وطبيعة الأدوار التى قامت بها الشخصيات الرئيسية فى النظام السابق، من واقع مسؤوليته عن الإعلام الرسمى للدولة فى السنوات الأخيرة، وقربه من مصادر المعلومات الأصلية لأسرة الحكم فى البلاد. ويمكن اعتبار الكتاب أول شهادة حقيقية عن أسرار الأيام الأخيرة فى نظام مبارك، وإجابة عن سؤال كان ولايزال يشغل بال المصريين منذ اندلاع الثورة: ما الذى كان يجرى فى دهاليز الحكم وما الذى كان يفكر فيه ويخطط له النظام؟

المرَّة الأولى التى التقيتُ فيها جمال مبارك كانت من حوالَى ٤ سنوات، اتَّسم جمال بالذكاء والحرص الشديد عند الحديث، وتدقيق المعلومات، ويبدو أنَّ عمله فى البنوك قد أثَّر فى تكوينه إلى حدٍّ كبير، لكنْ ليس هذا فحسب، بل وَرَث عن والدته، سوزان مبارك، الجانبَ نفسَه من ملامح الشخصية، فقد عُرف عنها أنَّها تراجعُ أيّة كلمةٍ تلقيها فى لقاء عامٍّ أكثرَ من ١٠ مراتٍ، وفى كلِّ مرة تُعدِّل، وتضيف، وتختصر، وقد كان هذا محلَّ شكوى كلِّ مَن كان يقوم بكتابة كلمتها، وعلى هذه الشاكلة كان جمال مبارك.

قبل الحوار التقيتُه، وتحدَّثنا فى الحوار، بنودِه ومحاوره، وقبل الحوار أيضًا، علمتُ من بعض مساعديه أنَّهم يعملون فى أكثرَ من أسبوع، للإعداد لهذا الحوار، يأتون بالمعلومات من كلِّ حَدَبٍ وصوبٍ – ويبدو أنَّه من شدة حرصه فقدتْ حواراته الرُّوحَ والتواصل الحقيقى مع الناس، وقد لمستُ هذا عندما كان يضطرُّ إلى إجراء حواراتٍ غير مُعدَّةٍ سلفا، سواء فى حوار صحفى، أو فى إطار إجابته عن أسئلة غير مُعدِّ لها فى لقاءاته مع الشباب.

كان من المفترض أن يشارك فى اللقاء حوالى ٥٠ شابًّا وفتاة، تتجه أعمارُهم نحو العشرينات من العمر، كان مُعسكرًا شبابيًّا، وكان ذلك منذ حوالى ٤ سنوات، سألنى جمال مبارك قبل اللقاء عن رأيى فى الموضوعات التى نتناولها، فأكَّدتُ له أنَّ ما يشغل الشبابَ بشكلٍ رئيسى الآن هو المستقبل بشقَّيه: فرصِ العمل، ومستقبلِ مصر السياسى.

وبدأ الحوار مع الشباب، الذين كنتُ أحرص دوماً على دفعهم للسؤال بحريّة، حتى لو كانت لديهم تعليماتٌ مُسبقة بعدم التحدُّث فى موضوعاتٍ بعينها، وكان هذا يحدث للأسف، أحيانًا من قِبلِ بعض القائمين على تجهيز هذه اللقاءات.

غرقَ جمال وأغرق معه كلَّ من حضرَ لقاءاتِه وحواراته فى تفاصيل الأرقام، نسبة النمو، الاحتياطى النقدى، الاستثمارات الأجنبية، وقد قلتُ له ذات مرة: إنك فى حوارك مع الشباب تحدثتَ عن الملايين والمليارات، فى حين أنَّ أكثر هؤلاء الشباب غنىً يحمل فى جيبه ١٠٠ جنيه مصرى، لأنه يقضى أسبوعًا فى هذا المعسكر. وجد جمال نفسَه فى منطقةٍ يلهث الكثيرون للاقتراب منها، عندما بات فيها وضَعه مَنْ حولَه فى موقع الفرعون، قبل أنْ يكونَه. وقد كنتُ شاهدًا على سلوك كبار المسؤولين، وكبار المتخصصين فى تخصصاتهم، يتعاملون معه بقدسيّةٍ، انتظارًا لتعليماته، ورؤيته، لكى ينفذوها. لقد جعلَه مَن حوله صاحبَ القرار والرؤية، حتى فيما لا يتخصص فيه، وفيما يبدو أنَّه لم يكن هناك مَن يناقشه كثيرًا فى قراراته. واحد من أكثر الشخصياتِ قربًا من جمال مبارك قال لى: إنَّ مشكلته أنَّه أحاط نفسَه بعدد قليل من الأشخاص، يثق فيهم وحدهم، ولا يثق فى غيرهم. اثنان فى مجال الاقتصاد، هما: رشيد محمد رشيد، وزير التجارة الأسبق، ودكتور يوسف بطرس غالى، وزير المالية الأسبق، وواحدٌ فى مجال السياسة: أحمد عز، الذى كانت علاقته به أهم العناصر التى عجَّلت بعدم تحقيق الكثير من الأهداف، بل عجَّلت بانهيار النظام برمته.

ففى مجال الاقتصاد، عمِلَ من خلال رشيد وغالى، وثق بهما، وتحقَّق قدرٌ واضح من الإنجاز فى مجال الإصلاح الاقتصادى، وهو إنجازٌ شهد به كثير فى الداخل والخارج، لكنّه كان إنجازًا بساقٍ واحدة، فقد غاب عنه البعد الاجتماعى طوال الوقت، بل إنه فى المرحلة الأولى لم يكن هناك حديثٌ عن الفقر والفقراء على الإطلاق، وهو الأمر الذى حاولتُ الإشارة إليه فى العديد من اللقاءات، من أنَّ الخطاب السياسىَّ يفتقرُ فى هذه المرحلة إلى حديثٍ عن البعد الاجتماعى، ويعتبرُ أنَّ حل مشكلة الفقراء لن يكون إلا من خلال إتاحة الفرصة من الأغنياء لمجالات العمل والاستثمار.

«جمال» و«عز»

إنَّ واحدًا من أهمِّ الأخطاء التى أجمع معظم المراقبين عليها هو تلك العلاقة المركَّبة بين جمال مبارك وأحمد عز، وقد كان من أهم أسباب مشكلات مصر السياسية فى الفترة الأخيرة هو وجود وسيطرة أحمد عز على الحزب الوطنى، وإزاحتُه معظم الحرس القديم فى الحزب، أو بحدٍ أدنى تحجيمُهم، فقد تمكَّن «عز» من السيطرة على معظم كوادر الحزب ومستوياته الإدارية المختلفة، واستغل فى ذلك مهارته المشهود له فيها من الجميع فى التنظيم والإدارة، وأيضا مستغلا قدرته المالية التى مكنته مع أسلوبه فى الإدارة من التحكم فى كل القواعد الحزبية، وبات مندوبٌ لأحمد عز يزور وحدة حزبية أكثر تأثيرًا من مسؤولين آخرين بارزين فى الحزب، لكنَّ هذه المقدرة المالية والإدارية لم تنجح فى أن تخلق له شعبية بين المصريين، بل إنَّ البعض يصل بالتحليل إلى أن وجود أحمد عز إلى جوار جمال مبارك كان واحدًا من الأسباب المهمة فى زيادة نفور المصريين منه، ولقد شبَّهته بكيس الرمال المعلَّق فى رقبة جمال، والذى يزيد فى جره إلى الأعماق، وذكرت ذلك لمستويات متعددة من المسؤولين فى الدولة.

مشكلة العلاقة بين أحمد عز وجمال مبارك هى تلك الحالة من القيادة والتأثير من «عز» على «جمال»، وكما ذكرت فإن طبيعة شخصية جمال مبارك – كما ذكر مقربون منه – أنه إذا وثق فى شخص فإنه يرفض أن يستمع أو يقتنع بأىّ رأى مخالف لما يراه من وثق به.

أذكر أنه فى مناسباتٍ متعددة، فى لقاءات مع قيادات سياسية وأمنية رفيعة المستوى، بل مع شخصيات عملتْ مع الرئيس نفسه، وتعرفه عن قرب، أذكر أننى تجاوزتُ معهم – فى الحديث – مرحلة الإشارة إلى مرحلة التصريح الواضح القلق الغاضب عن مشكلة وجود أحمد عز فى مقدمة الصورة السياسية، وعن العلاقة التى وصفتها بأنها «غريبة» بين «جمال» و«عز»، وكيف أن هذه العلاقة، وتلك السيطرة، إنما يدفع ثمنها المجتمع كلُّه، وأنَّ واحدة من أهم الخطوات التى ينبغى اتخاذها هى تحجيم حضور ودور أحمد عز، حتى لو كان يتمتعُ بقدراتٍ تنظيمية وحزبية لا حدود لها، وذلك بسبب تلك الحالة من النفور لدى الرأى العام.

الانتخابات البرلمانية الأخيرة التى أدارها أحمد عز وجمال مبارك كانت بالفعل هى المفجِّر لما شهدته مصر، بعد ذلك، فقد أثبت القائمون على الإدارة السياسية أنهم أبعد ما يكونون عن فهم طبيعة المصريين الذين يحكمونهم، وتعاملوا معهم باعتبارهم كما لو أنهم لن يتمكنوا من أى رد فعل، وأنهم سيفعلون ويرضون بما يملى عليهم، وساعد فى ذلك تلك الحالة من اللامبالاة والسلبية، وعزَّز ذلك وأذكاه ذلك الإحساس المبالغ بالقوة لدى القائمين بالعمل السياسى، وهى القوة الوهمية التى اختبرت بعد ذلك بقليل. القيادة السياسية فى تلك الفترة كانت قد قرَّرتْ أن توجِّه ضربة إلى جماعة الإخوان المسلمين، ومنعهم من أن يحصلوا على عدد مقاعد مماثل فى انتخابات ٢٠٠٥، حيث حصلوا على ٨٨ مقعدا، وذلك كنتيجة منطقية للتصويت المضاد للحزب، والذى لم يجد منفذًا سوى التصويت لمرشحى الإخوان، نكاية فى الحزب الوطنى، وكان هذا الاتجاه من النظام بتحجيم الإخوان، ووضعهم فى حجمهم الحقيقى مقبولا من عديد من القوى السياسية، على أن يكون ذلك فى إطار فتح الباب للقوى السياسية المدنية الأخرى للمشاركة والحضور الفعال، وهذا ما صدَّقه بعض من هذه القوى، وشاركتْ فى الانتخابات التى قاطعتها بعض القوى السياسية لتشككها فى نيَّات النظام الذى وعد بانتخابات نزيهة وعادلة وحرة، وهو الأمر الذى لم ينفذه.

لكنَّ ما حدث فى الانتخابات جاء مخالفاً لذلك تماماً، فقد اتفق أحمد عز ومجموعته – وذلك بدعم واقتناع كاملين من جمال مبارك – على الفوز بكل المقاعد، إن أمكن لهم ذلك، وبالتالى إسقاط القوى المعارضة كافة التى شاركت فى الانتخابات، سواء كانت من الإخوان المسلمين أو القوى المعارضة المدنية الأخرى.

خطَّطَ لذلك أحمد عز، كما شرح فى لقاء طويل بعد ذلك مساء ٦ ديسمبر٢٠١٠ فى لقاءٍ، دعا إليه جمال مبارك عددا من رؤساء تحرير الصحف وبعض الكتَّاب، وقليلا من الوزراء، وبدأ «عز» الحديث منذ التاسعة مساء وحتى الواحدة بعد منتصف الليل، يشرح كيف خطط لكل ذلك، لكى يطيح بكل منافسى الحزب الوطنى، وأفاض فى شرح الخطط التى استخدمها هو وفريقه، بينما كان «جمال» يتابعه باقتناع كبير، وقتها – بدا لى تماما – أنّه إلى أى حدٍّ تعامل هؤلاء مع الحالة المصرية، وقد أعماهم الإحساس الزائف بالقوة، وأنهم أصحاب الحق المطلق، وأنهم على صواب، وأنَّ غيرهم هم الذين لا يملكون القدرة على الحضور والمنافسة. ولم يعرفوا، أو قلْ: إنهم تجاهلوا أن سبب ضعف هؤلاء يحمل وزره بالأساس الحزب الحاكم، والنظام الذى استهدف كل المعارضة المدنية، ولم يدركوا أنهم بإدارتهم الانتخابات بهذا الشكل، والاستئثار بكل مقاعد البرلمان تقريبا، إنما خلقوا حالة عدائية كبيرة للحزب، وللقيادة السياسية، بل للنظام بأكمله.

وحسبما عرفتُ من مصادرَ ومسؤولين قريبين من الرئيس أن «مبارك» غضِب ما إن فوجئ بالنتائج، ووجَّه لومًا لجمال، الغريب هنا أنْ يُفاجأ الرئيسُ، وهذا معناه ببساطة أنَّه لم يكن مُطَّلعا، أو متابعًا لما يحدث على الأرض، وهذا ما أكَّده لى بعض المسؤولين القريبين من الرئيس بعد ذلك.

هذه الحقيقة – عدم متابعة الرئيس – كانت شواهدها تتزايد خلال الأعوام الأخيرة، والتى بدا فيها جمال كأنَّه هو من يدير البلاد فعليًّا، وبدا هذا واضحا من مشاركته ورئاسته العديدَ من الاجتماعات التى يحضر فيها وزراء، واجتماعاته مع العديد من المسؤولين على مختلف مستوياتهم، لعرض خططهم وسياساتهم فى إدارة مهامهم عليه، واستطلاع رأيه، والأخذ بوجهة نظره فى هذه الملفات، حتى لو لم يكن متخصصًا فيها. ولا ريب أنّ معظم هذه الملفات بالطبع لم يكن متخصصا فيها، وقد حضرتُ أنا نفسى العديد من المواقف التى كان يحاول فيها مسؤولون كبار الحصولَ على موعد مع جمال مبارك، للقائه والجلوس معه، والحصول على رأيه وموافقته ودعمه لما يفعلونه حتى لو لم يكن له علاقةٌ به.

المجموعة التى أدارت الانتخابات بقيادة «عز» و«جمال» حاولتْ تصحيح الصورة بقدر الإمكان بعد غضب الرئيس، وتدخلت أجهزة الدولة من أجل إنجاح من تبقى من المعارضة فى جولة الإعادة، وذلك لتفادى غضب الرئيس فى المقام الأول، وللحدِّ من الانتقادات الحادة التى بدأ شلالُها فى الفيضان، عقب إعلان نتائج الجولة الأولى، لكن كان التدخل من أجل منْ تبقَّى من رموز المعارضة، إضافةً إلى عضوٍ واحد من جماعة الإخوان المسلمين رفض الانسحاب من الجولة الثانية من الانتخابات كما قررتْ جماعته.

كان هذا التدخل، كما وصفتُه شخصيا وقتها، يشبه النظام الذى تتبعه بعض القبائل، أو تتبعه بعض الإمارات فى شبه الجزيرة العربية وهو نظام (الديّة)، وذلك أن يدفع أهل القاتل مبلغا من المال لأهل القتيل، تعويضًا عن قتله، ولكن للأسف فإنّ هذه الدية، أو هذا التعويض لا يعيد الحياة إلى القتيل، فمن مات مات، وهكذا الحال بالنسبة للانتخابات فقد وقعت الواقعة منذ الجولة الأولى، ولم يكن يصلح أى إجراء لتصحيح الحقيقة، فقد كانت فضيحة سياسية بكل المعايير، أطاحت بحلم الدولة المدنية، وزرعتْ اليأس فى نفوس من اعتقدوا سابقا – وأنا منهم – أن النظام السياسى قد بدأ يدرك خطورة الوضع، وأنه جادٌّ فى وضع قواعد الدولة المدنية، ولم يكن ثمة حلٌّ مرضٍ، على الساحة السياسية فى تلك الفترة إلا إلغاء الانتخابات وإعادتها – وهو ما كنتُ أتمناه شخصيًّا وأدعو له – أو القبول كحد أدنى بالطعون الانتخابية التى أقرتها محكمة النقض، والتى تجاوزتْ ٢٠٠ طعن فى هذه الانتخابات. وكلا الأمرين لم يقبل «عز» أو «جمال» مجردَّ التفكير فيهما، بل وصل الأمر بهما فى مرحلة تالية إلى إقناع الرئيس بأن ما حدث هو بعض الأخطاء الناتجة عن ضعف الأحزاب والقوى السياسية الأخرى، وأن الحزب الوطنى «القوى» غير مسؤول عن ضعف تلك الأحزاب والقوى الأخرى، فخرج الرئيس يتحدث فى الجلسة الافتتاحية للبرلمان عن أخطاء فى الممارسة الديمقراطية ينبغى التعلم منها، ولكنه نفى عنها صفة الفضيحة السياسية.

إنَّ من دلالاتِ موافقته على ذلك هو أنه حينما أخبره البعض أنَّ المعارضة ستقوم بعملِ برلمانِ ظلٍّ موازٍ، قال جملته الشهيرة «خليهم يتسلوا»، وهو ما اعتبرته قوى المعارضة موافقةً ضمنيةً من الرئيس على ما تمَّ، وسخريةً منهم. ولم يدركْ وقتها أن هذه الانتخابات كانت بحق الإيذان بانهيار النظام كله، الذى لم يدرك هو ولا مَن حوله أنه بدأ يخلق داخله عناصر انهياره.

ولقد كان هذا الكِبْرُ وذاك الاستعلاء فى موضوع الانتخابات، كما هو فى موضوعات أخرى عديدة فى الفترة الأخيرة من حكم الرئيس مبارك، هما الشرارة التى أشعلت النيران، وقضت على هذا الوضع. إنَّ من ينظر إلى المشاركين فى مظاهرات ٢٥ يناير، فى اليوم الأول للأحداث، يكتشف أن معظم المشاركين المؤثِّرين فيها كانوا من ضحايا الانتخابات، سواء أكانوا من المعارضين، أو حتى من أعضاء الحزب الوطنى، الذين أسقطهم الحزب سواء فى المراحل التمهيدية للانتخابات أو فى الجولة الثانية، من أجل إنجاح مرشحى المعارضة، الذين تمكنوا من الوصول إلى جولة الإعادة فى محاولة لتجميل صورة الانتخابات.

تسببت نتائج الانتخابات فى إفساد المناخ العام تماما، وساعد على ذلك الوضع الاقتصادى الذى يحقق نموا اقتصاديا حقيقيا ولا يشعر به المواطن المحتاج فى الواقع، وإعلامٌ تجاوزَ جزءٌ كبير منه خارج حدود المنطق والمهنية فى المعالجة، وهو ما ساهم فى خلق حالة من الإحباط واليأس، من أجل تحقيق بطولات وهمية لبعض من هؤلاء الإعلاميين، بالإضافة إلى خطاب سياسى لرؤوس النظام تميز بالقدر الأكبر من الجفاء والاستعلاء وعمق الفجوة بين النظام والمواطنين، وأذكر هنا الحوار الأخير الذى أجريته مع الدكتور أحمد نظيف رئيس الوزراء المصرى الأسبق يوم ٧ يناير، والذى طلب إجراءه بعد اطمئنانه أنه مستمر فى منصبه، بعدما تجاوز مرحلة القلق من غضب الرئيس عليه، وقراره بإخراجه من منصبه فى صيف ٢٠١٠، كما قال لى رشيد محمد رشيد فى لقاء لى معه يوم ١٦ يناير قبل أقل من ١٠ أيام من الثورة، وأكَّدته لى مصادر عدة فيما بعد، بأن الرئيس كان قد اتخذ قرارا بإقالة «نظيف» وحكومته فى صيف ٢٠١٠.

ولقد ذكرَ ذلك أمام العديد من الوزراء والمسؤولين الذين كان يجتمع بهم دونه، ورفض أن يقابله لفترة طويلة، لولا تدخل جمال مبارك وحسين سالم، رجل الأعمال المعروف، والذى كان يتردد أنه الصديق الشخصى لمبارك الأب، تدخَّلا من أجل استمرار نظيف، واستعانا بالمهندس رشيد محمد رشيد، وزير التجارة والصناعة فى حكومة نظيف، والذى كان أبرز المرشحين لتولى منصب رئيس الوزراء بعده، ويحظى بثقة الرئيس مبارك، ليقنع الرئيس بتأجيل تغيير «نظيف» إلى ما بعد الانتخابات، وذلك حتى لا يدخل الانتخابات بوزارة جديدة يمكن أن تؤثر فى نتائجها.

بعدما مرت عاصفة الانتخابات وأصابت العاصفة الحزب، ونجا منها «نظيف»، فاستمر فى منصبه. هذه الحالة التى عاشها «نظيف» – حالة التهديد بالإقالة – هى حالة متكررة معه، منذ عام ٢٠٠٧، أى بعد توليه منصبه، وبعد أقل من ٣ سنوات، وهو مرشح للخروج من منصبه، ولم يكن خافيًا على أحد فى المستويات السياسية أو الصحفية أن الرئيس لا يحب رئيس وزرائه كثيرا، وكثيرًا ما تردد أنه يتحين الفرصة للتخلص منه، ولكن كانت هناك أسبابٌ وأحداث تؤدى لبقائه، بدءًا من الأزمة الاقتصادية العالمية، إلى أزمة الغذاء، إلى الهجوم الإسرائيلى على غزة، إلى الانتخابات البرلمانية، ومن بعدها مشروع الانتخابات الرئاسية التى لم تحدث، كل هذه الأحداث، وغيرها، كانت سبباً فى تأجيل اتخاذ قرار تغيير «نظيف» وحكومته.

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن هذا التغيير كان أحد المطالب التى باتت كأنها مطلبٌ شعبىٌ كبيرٌ، ولكن لم يتم اتخاذ القرار. هذا التأجيل فى اتخاذ القرارات سيظهرُ، فيما بعد، أنه صفة أصيلة فى نظام مبارك. ففى ذلك الحوار الذى أشرت إليه تحدثت مع رئيس الوزراء عن تلك الفجوة بين الجماهير والحكومة، وغياب لغة الخطاب السياسى الجماهيرى إلا أنه أنكر ذلك بشدة، مؤكدًا على شعبية حكومته واقترابها من الجماهير، وهى الإجابة التى لم تقنع أحدًا ممن شاهدوا الحوار، وأنا من قبلهم. وكان أن كتبتُ فى مقال تالٍ لى عن تلك العلاقة بين النظام والشعب، والتى باتت تتجلى فى نكتة تقول: إن أعمى قال لأطرش «أنا شايف إنه فيه حد بيراقبنا»، فلا الأعمى رأى، ولا الأطرش سمع، وهكذا لا الحكومة رأت، ولا الشعب سمع، فقد عجزت الحكومة عن الرؤية، واختار الشعب ألا يسمع «طرش اختيارى» وهذه هى الفجوة الحقيقية بين الحكومة والنظام، فى تلك الفترة، وبين الجماهير المصرية.

ولعل قصة خالد سعيد تصلح كنموذج للتدليل على الأسلوب الذى دأب النظام على التعامل به، وهو الأمر الذى وصل به إلى ما وصل إليه. وخالد سعيد، ذلك الشاب الذى مات فى الإسكندرية فى شهر يونيو عام ألفين وعشرة، وتحوَّل إلى اللعنة التى أصابت النظام، وتسبب فى خلق حالة من الغضب الشديد لدى قطاعات عديدة من المصريين، والأهم من ذلك، تمكَّن عدد من السياسيين المعارضين فى استخدامه كسلاح فعال ضد النظام، فقد تحولت صفحة على «فيس بوك» تحمل اسم «كلنا خالد سعيد» إلى واحدة من أكثر الصفحات التى انضم إليها ملايين المصريين.

من جانبى علمتُ بخبر الوفاة صباح الجمعة ٩ يونيو بعد انتشار الخبر فى مدينة الإسكندرية، وبدء الإعلان عن تجمعات غاضبة من أهالى المدينة، احتجاجًا على مقتل خالد سعيد، وأعطيتُ تعليماتى بإذاعة الخبر فى التليفزيون باعتباره خبرًا عن تجمعات احتجاجية، اعتدنا على التعامل معها، واتصلتُ بمساعد وزير الداخلية المصرى، ذات اليوم عدة مرات، لأحثَّهم على إصدار بيانٍ، للإعلان عمَّا حدث، وما إذا كانت هناك إجراءاتٌ سوف يتخذونها، فإذا بمساعد الوزير يهوِّنُ كثيرا من الأمر، معتبرًا أنه موضوعٌ صغير، ولا يستحقُّ كلَّ هذه الضجة، فالولد مدمنُ مخدِّرات – على حدِّ قوله. حاولتُ الاتصال بعدها بعددٍ من المسؤولين، خاصةً أن بعض الأهالى سوف يتجهون إلى مقر وزارة الداخلية فى اليوم التالى، إلا أن ردَّ الفعل كان هو ذاته: التهوين من الموضوع برمته، وحالة من الكِبْر والإحساس المتزايد بالثقة، حتى إن واحدًا من الضباط علَّقَ مستخفًّا – وقتها – بأنهم لو جاءوا، فسوف يدفعون الثمن. وقد تم إبلاغنا فى التليفزيون أن وزارة الداخلية بصدد إصدار بيان عن الحادث. توقعتُ أن يتناول البيان تفاصيل ما حدث، دون أن يغفل الجانب السياسى فى الموضوع، وأن يتسم بقدر من الذكاء حتى يحتوى غضب الناس، وأن تتخذ وزارة الداخلية إجراءات جادة، للتحقيق مع الشرطيين وحبسهما، إلا أن البيان أتى مخيبًا للآمال، ومستفزًا لمعظم المصريين، فقد تجاهل تماما الاعتداء على الشاب بالضرب، وكال له الاتهامات بتعاطى المخدرات والاتجار بها، وتحدث البيان عنه باعتباره من معتادى الإجرام ومطروداً من الخدمة العسكرية، وكان هذا هو الخطأ الرئيسى: الافتقاد إلى أى حس سياسى.

هذا البيان كان نموذجًا متكررًا من غباء تعامل النظام مع الأزمات، وهو أسلوب متكرر فى مواقف متعددة، لم يتعامل مع الرأى العام الداخلى الغاضب، بل لم يهتم بالحديث إليه أول الأمر، ولم يهتم بإصدار بيانٍ إلا عندما أثير الموضوع دوليا، وعندما تحدث نطق كفرًا وخسر الداخل والخارج، وهكذا ساهم رجال النظام فى إضافة عنصر جديد، للتعجيل بانهياره، وتحوَّل خالد سعيد إلى رمز وأداة مؤثرة للقضاء على النظام، واستغلته كل قيادات المعارضة، صغيرها وكبيرها، كأداةٍ للتلميع والهجوم على النظام فى الوقت ذاته.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s