وهم التعددية الحزبية (٤)

بفلم: عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

قد يقول قائل هذه الأيام إن الأحزاب الدينية غير دستورية، ذلك أنها قامت على أسس تتناقض والدستور، سواء الدائم الذى لم يعد دائما، أو الإعلان الدستورى الذى من المفترض أنه وجد ليحدد الطريق إلى أن نمتلك دستورا جديدا.

سوف يقوم عديدون برفع قضايا أمام المحاكم للطعن فى دستورية، وبالتالى شرعية، وجود هذه الأحزاب، وبالفعل هناك قضايا بهذا الشكل. أيضا، يوجه العديدون اللوم والاتهامات إلى المجلس العسكرى، لأنه سمح بهذا الاختراق الدستورى.

على الرغم من اقتناعى بهذا الطرح الذى يلقى بظلال من الشك «الكبير» حول مشروعية هذه الأحزاب التى اعتمدت فى الأساس على المرجعية الدينية، وعلى الرغم من اقتناعى أيضا بأن هذه الخطوة سوف تكون سببا أساسيا فى تأخر نمو مفهوم الدولة المدنية.. على الرغم من ذلك، فإننى لن أشارك فى هذا التحرك الهادف لنزع الشرعية عن هذه الأحزاب، لسبب بسيط هو أن هذه القوى – ولن أقول الأحزاب – قد باتت تمتلك، فى إطار التغييرات الكبيرة التى شهدتها مصر، ما يمكن أن يطلق عليه «حصانة الوجود»، هذه الحصانة التى اكتسبتها من نتائج الانتخابات الأخيرة، التى أثبتت فشل كل أصحاب الأصوات العالية فى الادعاء بأنهم يملكون الشارع، ولكن يحول بينهم وبين قيادته الحزب الحاكم على مر السنين، وعندما حانت الفرصة كانت النتيجة التى أثبتت أنهم لا يملكون الشارع.

هذا الموقف لا يعنى أن التيار الإسلامى السياسى يمتلك الشارع، فاللحظة الراهنة يعانى المجتمع المصرى فيها من تلك الحالة الناجمة عن تراجع – إنْ لم يكن الانهيار النسبى – للقوة المركزية التى هى جزء أصيل من طبيعة الدولة المصرية منذ نشأ المجتمع، وهذا الغياب يتسبب فى قدر كبير من الارتباك فى حركة المجتمع سياسيا.

ويظل السؤال: «لماذا حصدت القوى الدينية السياسية، أو بمعنى أدق التى احتلت الساحة سياسيا، هذا الدعم الكبير فى الانتخابات البرلمانية الأخيرة؟ وهل هذا يعنى أن المجتمع المصرى برمته اتجه فجأة نحو تديين السلطة؟ وقبل الإجابة هنا عن هذا التساؤل، فإنه يجب التوقف للحكم أولا على ما إذا كانت هذه القوى يمكن اعتبارها أحزاباً بالمعنى الصحيح للأحزاب أم لا؟ ويمكن القول فى هذا المجال إن ما لدينا الآن من أحزاب دينية لا تمتلك المقومات الصحيحة لاعتبارها كيانات حزبية، فيما عدا الإخوان المسلمين الذين هم بالأساس جماعة سياسية دينية، قررت أن تمتلك ذراعا حزبية، فأنشأت حزبها الذى حل أولا فى نتائج الانتخابات الأخيرة، أما الأحزاب الأخرى فهى أبعد ما تكون عن مفهوم الحزب، بل إنها قوى أو مجموعات دينية قررت أن تمارس لعبة الانتخابات فاستكملت شروط اللعبة بتشكيل أحزاب التفت حول عدم الدستورية لفظيا فى أوراق تأسيسها.

عندما صوت المصريون بأكثر من ستين فى المائة لهذه الأحزاب فإنهم لم يكونوا يصوتون تعبيرا عن تحول كبير فى توجهات المجتمع المصرى، ولكنه كان بالأساس تصويتا يعبر عن عديد من التغييرات، أولها ذلك الغياب للقوة المركزية التى اعتادت أن تلعب دور المغناطيس الجاذب للقوة التصويتية – كما سبق أن تحدثنا فى المقال الأول من هذه المقالات – هذا الغياب خلق حالة من الفراغ نتجت عنه حالة تصويت متحررة – ولا أقول عشوائية – صبت فى صالح أكثر القوى حضورا على الساحة فى هذه المرحلة، وهى القوى الدينية.

يضاف إلى ذلك أن الناس فى مصر قد يئسوا من القوى السياسية التقليدية، المتمثلة فيمن بقى محسوبا على الحزب الحاكم سابقا، أو أحزاب المعارضة التقليدية التى فقدت المصداقية لدى الناس، فكان التصويت للقوى الدينية تصويتا سلبيا ضد هؤلاء.

ويمكن أيضا القول إنه كان تصويتا اعتقادا منهم بأنه تقرب إلى الله بعدما يئسوا من السياسيين التقليديين، وكان لسان حالهم يسأل: لماذا لا نجرب هؤلاء الذين يقولون إنهم الأقرب إلى الله؟! والعنصر الدينى هو عنصر حاكم فى الشخصية المصرية، خاصة فى الأزمات.

الأمر الآخر أن التصويت اتجه أيضا إلى من اتجه إلى الشارع بمفهوم خدمى واضح غاب عن القوى الأخرى، إما تكبرا أو عدم فهم، أو عدم مقدرة.

فالأكيد الآن أن هذا العنصر الخدمى المباشر هو أحد أهم العناصر تأثيرا فى حسم الأصوات، وهذا ما ينبغى أن تتعامل معه أى قوى راغبة فى العمل سياسيا فى المستقبل، خاصة مع التراجع الواضح لدور الدولة فى القيام بهذا الدور.

لدينا الآن، حسب ما هو متاح من معلومات، ١٢ حزبا دينيا مطعون فى دستوريتها، لكنها باتت تشكل أغلبية البرلمان، ولدينا حتى الآن أيضا أربعة أحزاب دينية تحت التأسيس، ولست أدرى كيف سيؤثر النجاح فى الانتخابات الأخيرة، إضافة إلى معركة شرعية هذه الأحزاب التى لم تحسم بعد فى استمرار أو تراجع هذه الظاهرة!

الرابط الأصلي للمقال على موقع المصري اليوم: http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=325246

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s