وهم التعددية الحزبية «٣»

بقلم:عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

فى الثانى من فبراير من العام الماضى، بعد انطلاق الخامس والعشرين من يناير بقليل وجه أحد متصفحى الإنترنت سؤالاً عبر صفحة الأسئلة على موقع «جوجل»، حيث يمكن طرح الأسئلة ويتطوع الآخرون بالإجابة عنها، كان السؤال: كم عدد أحزاب المعارضة فى مصر، وأجاب عن السؤال شخص سمى نفسه الباشمهندس أحمد، قائلاً: عدد الأحزاب المعارضة فى مصر ٢٣ حزباً مرخصاً و٨ أحزاب غير مرخصة و١٠ جمعيات وطنية. الإجابة كانت دقيقة، وقد يكون الباشمهندس أحمد من القلائل الذين عرفوا هذه المعلومة بدقة فى ذلك الوقت، فقد كنت أتحدى أى زميل يستطيع أن يخمن عدد أحزاب المعارضة، فما بالك بأسمائها؟!

ويمكن القول هنا أيضاً إن أحزاب المعارضة عانت من الحقيقة، حقيقة الدولة المركزية المسيطرة، وبالتالى كان وجودها هامشياً إلى حد بعيد، ليس هذا فقط، بل ساعدت على ذلك مجموعة من العوامل الخاصة بهذه الأحزاب، وعوامل أخرى مرتبطة بالمحيط العام، وأخرى بالحزب الحاكم أياً ما كان، وعلاقة جهاز الدولة بالأطراف المختلفة.

نشأة أحزاب المعارضة المصرية الرئيسية فى المرحلة التالية لثورة يوليو كانت إحدى المشكلات الرئيسية فى مدى جدية وتأثير المعارضة، فقد ولدت من رحم النظام، ذلك أن التجربة الحزبية جاءت من قمة الهرم السياسى أى من النظام، باعتبارها قراراً مركزياً من السلطة المركزية ممثلة فى الحاكم، هذا يتناقض كلياً مع مفهوم الحزب، الذى هو بالضرورة تعبير عن قوة أو قوى فى المجتمع تطورت، لتشكل كياناً يعبر عن مواقفها ومصالحها، وبالتالى فإن ما حدث لم يكن كذلك، بالإضافة إلى أن هذه النشأة أثرت بالطبع على علاقة المعارضة بالنظام منذ البداية، كذلك ضعف التأييد الجماهيرى الذى قد يمنح لهذه الأحزاب، باعتبارها امتداداً للنظام أو مجرد واجهة لتجميل صورته.

الأحزاب التى نشأت بعد ذلك كانت إما إحياء لقوى تقليدية قديمة امتلكت قيادات تاريخية نجحت فى إعادة إطلاقها، ولم ينجح من تلاهم فى الحفاظ على قوة أو شخصية هذه القوى، أو أحزاب ساهم النظام المركزى نفسه فى إنشائها، ليواجه «عددياً» الأحزاب الأخرى التى بدأت تظهر وجهاً معارضاً، فكانت النتيجة ينطبق عليها التعبير المصرى الدارج «العدد فى الليمون»، بمعنى آخر امتلكت مصر أحزاب المعارضة شكلاً وغابت واقعاً.

نتيجة لهذه النشأة وأسلوب التكوين، فقد ظلت هذه الأحزاب مجرد نقطة صغيرة وسط جموع المصريين الكثيفة، غير قادرة على إقناع وتعبئة الجماهير، أو الضغط بشكل مؤثر للمطالبة بأى تعديلات أو إصلاحات سياسية، كذلك انحسر مفهوم المعارضة لدى هذه الأحزاب وتجزأ حتى باتت معارضة لمجرد إثبات الحضور والرغبة فى الظهور أكثر من كونها معارضة حقيقية تسعى لكسب السلطة وحصد مقاعد الحكم، وهكذا ارتضت أحزاب المعارضة لعب دور الوصيف فى معادلة الحكم، حيث خلعت أحزاب المعارضة فى مصر رداءها السياسى المعارض المؤثر، واكتست برداء انعكست عليه قوة السلطة المركزية – طوعاً أو إكراهاً – وسلبها القدرة على التأثير فى الواقع السياسى.

ولذا، لم يكن غريباً أن يستخف النظام بوزن المعارضة وقوتها، فتارة يمنيها بحوار، وتارة أخرى يدير ظهره لها، وكأنه لم يرها من قبل. وهنا يبدأ الجرم الذى أسهم فيه النظام بتهميش المعارضة والتقليل من حجمها بشكل قضى على قوتها، فقد كانت فكرة الدولة المركزية تسيطر على فكر النظام، بحيث تبدو أى معارضة له، وكأنها خروج عن سطوة الدولة وانتقاص لهيبتها، وتمت ترجمة ذلك لفترة طويلة من خلال جهاز الإدارة والأمن بسلوك حاصر وطارد للمعارضة

وعلى الرغم من محاولات تقليص ذلك فى الأعوام الأخيرة فإن العادة تغلب التطبع، فلم يستمر ذلك بقوة أو نية صافية، وهو ما لا يدع مجالاً لإمكانية قيام معارضة فاعلة، واستمر النظام المركزى فى توجيه ضربات متتالية للمعارضة المدنية، فأضعفها وهمشها وأساء إلى صورتها وحضورها فى الشارع، وفقد الناس الإيمان بأى جدوى من هذه القوى التى ساهم بعض قياداتها فى تأصيل هذه الصورة، خاصة بانقلاباتهم السياسية، وقبولهم القيام بدور «المحلل» عدة مرات، لتمرير مواقف مختلفة، طمعاً فى مكاسب صغيرة. ومارس الحزب الوطنى أسلوب الأندية الكروية الكبيرة، عندما حرص على ضم أى كفاءة إلى صفوفه، ليس دعماً له، لكن ليحرم الفرق الأخرى أو الأحزاب الأخرى من الاستفادة بها.

وهكذا عاشت مصر بلا معارضة حقيقية لفترة طويلة، سوى بعض الحركات الاحتجاجية وإسلام سياسى كان هو المستفيد الوحيد من تقزيم وإنهاك المعارضة المدنية.

إذا وجهت اليوم سؤالاً للباشمهندس أحمد: كم حزباً معارضاً لدينا اليوم، فهل سيستطيع الإجابة بدقة كما فعل من قبل؟

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s