وهم التعددية الحزبية «٢»

بقلم: عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

قبل الاستدراك فى الحديث عن دلالة نتائج الانتخابات الأخيرة التى شهدتها مصر والحكم من خلالها على مدى قوة مفهوم النظام الحزبى، وقبل الإجابة عن السؤال ما إذا كانت مصر تمتلك بالفعل أحزاباً بمفهومها العلمى الصحيح.. قبل كل ذلك فإنه من المفيد مرة أخرى التوقف عند بعض الموضوعات الرئيسية التى يمكن أن تساهم فى تفسير ما يحدث، واليوم سوف أتوقف عند مفهوم حزب الأغلبية، أو التنظيم السياسى الواحد، أو الحزب الحاكم.

المجتمع المصرى تحكمه حقيقة طبيعية تقول إن هذا المجتمع هو مجتمع نهرى، نشأ منذ بدايته على أساس وجود سلطة صاحبة سطوة، تحولت فيما بعد إلى سلطة مركزية لواحدة من أوائل الدول المركزية فى تاريخ البشرية المعروف. وتفسير هذا ببساطة يعود إلى تسليم من عاشوا على النهر منذ البداية بأهمية وجود سلطة أعلى تنظم توزيع المياه على من يعيش حول النهر، وبالتالى تمتلك هذه السلطة قوة التنظيم والحفاظ على انتظام وأمن مصدر الحياة الجارى فى النهر، وبالتالى تبدأ جباية الضرائب، وتتكون السلطة المركزية، التى يبدأ كل من يعيش حول النهر ويستفيد من مائه فى أن يحتفظ بعلاقة طيبة معها، ولا بأس من نفاقها والتقرب منها، وقد يكون الأفضل محاولة التسلل إلى داخل نسيجها ليكون جزءاً منها.

ما فات ليس مقدمة فلسفية لا معنى لها، لكنه محاولة لشرح طبيعة العلاقة التاريخية الحاكمة بين المواطن والدولة فى المجتمعات النهرية كمصر، ولماذا كانت هذه العلاقة فى معظمها هى علاقة ود من طرف واحد فى معظم الأوقات. هذه العلاقة هى التى أفرزت مفهوم وواقع الدولة المركزية، وظل الحال دائماً يتمثل فى وجود تلك القوة المركزية المتواجدة عادة فى عاصمة البلاد أو عواصم الأقاليم، وكانت هذه العلاقة أشبه بمغناطيس قوى يمثل المركز الذى تدور فى مجاله بقية أطراف المجتمع، ليبدو المشهد وكأنه تنظيم لمجرة تتوسطها تلك القوة المغناطيسية الجاذبة الهائلة، التى هى فى نموذجنا قوة الدولة المركزية.

مع تطور نظام الدولة وبالتالى النظام السياسى أصبحت هناك ترجمة مختلفة لآليات هذه العلاقة، وسوف أقفز على هذا التطور لأصل إلى ما أريد الحديث عنه اليوم، وهو «الحزب المسيطر»، سواء كان تنظيماً سياسياً واحداً أو حزباً حاكماً، وفى حالتنا فقد مررنا بكلا الشكلين، وكلاهما أدى لنتيجة واحدة، فقد عشنا مرحلة التنظيم السياسى الواحد الذى بدأ بعد الحركة المباركة التى أصبحت ثورة يوليو، فتأسست «هيئة التحرير» فى يناير عام ١٩٥٣ وتم إلغاؤها، وتأسس بعد ذلك تنظيم «الاتحاد القومى» فى عام ١٩٥٦، ثم «الاتحاد الاشتراكى العربى» فى عام ١٩٦٤، وعبرت هذه التنظيمات كلها عن مفهوم وقوة الدولة المركزية، لذلك كانت القطب الذى جمع حوله معظم شرائح المجتمع، ليس عن اقتناع بالطرح السياسى، ولكن كترجمة مباشرة لمفهوم التقرب إلى السلطة المركزية الحاكمة.

ولم يستطع تغيير النظام السياسى إلى مفهوم التعددية الحزبية أن يغير طبيعة هذه العلاقة، وهذا يفسر لماذا ولد حزب مصر العربى الاشتراكى حزباً حاكماً، وكان امتداداً للتنظيم السياسى السابق له، ولم يكن من الغريب تلك الهجرة الجماعية التى حدثت من حزب مصر إلى الحزب الوطنى الذى أنشأه السادات، بل كان الغريب هو أن نستغرب تلك الهرولة إلى الحزب الجديد، إنه يعد سلوكاً طبيعياً إذا ما وضعناه فى إطار التفسير والفهم لطبيعة العلاقة الحاكمة بين المواطن والقوة المركزية الحاكمة، فما حدث هو انتقال طبيعى، أو «هرولة» طبيعية وراء القوة المركزية الحاكمة.

فى إطار هذا التفسير أيضاً أختلف مع من يتعامل مع الحزب الوطنى الذى كان حاكماً كما يتعامل مع أحزاب أخرى عقائدية فى المنطقة كحزب البعث مثلاً، فالأخير هو حزب يحمل عقيدة سياسية واضحة، ومن ينتم إليه فإنه يتبنى تلك العقيدة، أما الحزب الوطنى فقد كان هو ممثل القوة المركزية فى البلاد، بمعنى آخر هو الحكومة، وبالتالى فإن العلاقة التى تربط الحزب بالآخرين هى علاقة تزاوج المصلحة، الحزب يبحث عن أصحاب العزوة والمال والحظوة فى مجتمعاتهم المحلية ليضمهم إليه، وهؤلاء جميعاً مثلهم مثل آبائهم وأجدادهم، سعوا إلى بناء العلاقة مع السلطة المركزية أو من مثلها فى تلك الفترة وهو الحزب الحاكم.. حتى فى حركة التصويت التى كانت تحدث أياً ما كانت نسبتها، فقد كانت تتجه بحكم طبيعة العلاقة إلى القوة المركزية الحاكمة، ولو أننا توقفنا للتفكير بإنصاف فى هذه النقطة لاكتشفنا أنها حقيقية، هذا لا ينفى تفاصيل أخرى فى طبيعة إدارة العملية السياسية، لكن هنا نحن نتحدث عن طبيعة العلاقة بين المواطن والسلطة. ولا أغالى لو قلت هنا إن أحزاب الحكم، سواء كانت تنظيماً واحداً أو أحزاباً حاكمة، هى امتداد بشكل أو بآخر لسلطة كهنة الفرعون أو بلاط السلاطين أو الملوك أو نظار الحكم فى الفترات التالية.

الوضع الذى شهدته مصر خلال المرحلة الماضية كان انفراطاً لمفهوم القوة المركزية، وهو الأمر الذى يعنى أن تلك القوة المغناطيسية الجاذبة لم تعد هناك، فحدثت تلك الحالة النادرة فى تاريخنا أن غابت القوة المركزية، فتحركت القوى التصويتية فى نسق غير منتظم، وهذا يصلح كتفسير جزئى للنتيجة التى وصلنا إليها، لكن قبل ذلك علينا أن نتوقف لحظة أمام مفهوم أحزاب المعارضة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s