إلى القوى الإسلامية الصاعدة سياسياً: لا تمزقوا الوطن

بقلم: عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

عندما أشارت الساعة إلى منتصف الليلة الأخيرة من عام ٢٠١١، تذكرت ذات اللحظات منذ عام مضى، وكان العام الجديد قد بدأ منذ نصف ساعة عندما تلقيت اتصالا بأن انفجارا كبيرا وقع فى الإسكندرية أمام إحدى الكنائس منذ عشر دقائق، وأن المعلومات المتاحة حتى اللحظة أن الانفجار كبير.. تركت منزلى إلى مكتبى فورا لمتابعة الحدث، وكان ليل القاهرة يحتفل بميلاد العام الجديد، ولم يكن قد عكرته الأنباء الدامية بعد. كان هذا هو حادث كنيسة القديسين الذى راح ضحيته أكثر من عشرين مصرياً ومصرية وأصيب حوالى ثمانين مصرياً ومصرية، كانوا يحتفلون بقدوم العام الجديد بالتدين المصرى المعتاد، فاختاروا أن يصلوا فى الكنيسة استقبالا لعام جديد، فأنهت حياتهم أياد مجرمة.

هذا الحادث طرح نقدا حادا لأسلوب الدولة فى ذلك الوقت فى التعامل مع المسألة المصرية المتعلقة بتمكين مفهوم المواطنة، وأكد فى الوقت ذاته أهمية العمل السريع من أجل تأكيد هذا المفهوم قولا وفعلا، وأكدت شخصيا من خلال ما كنت أكتب وقتها أو من خلال اللقاءات، وأثناء حوارى مع البابا شنودة بعد الحادث بأيام قليلة، أن الطريق الوحيد لاستمرار هذا الوطن قويا معافى هو التأكيد على مفهوم الدولة المدنية التى يقف القانون فيها سيدا على مسافة متساوية من كل المواطنين، بغض النظر عن الجنس أو الدين أو العرق أو اللون، وطنا واحدا لكل المصريين. كان هذا الحادث مقدمة لأحداث كبيرة وعظيمة زلزلت مصر وغيرت صورتها، وفرضت على أبنائها مسؤولية رسم طريق المستقبل.

كان الأمل أن يقودنا ما حدث فى مصر إلى منطقة قادرة على ضمان وحدة الوطن، والتأكيد على أن مصدر قوة هذا الوطن تكمن فى تعدده، ولكن هذا يعتمد بالأساس على قدرتنا نحن على أن نجعل هذا التعدد مصدر قوة، أو أن يكون قاعدة تمزيق وتفتيت. مع الأسف الشديد، فإن الحوار الدائر فى مصر الآن لا يدفع إلا إلى منطقة التفكيك، تفكيك أوصال الوطن وإضعافه، وذلك لأسباب متعددة، ليس هذا مجال الحديث عنها الآن، ولكن النتيجة النهائية أننا بتنا نسمع، بل نشارك دون أن ندرى فى طرح أسئلة كنا نظن أنها دفنت تاريخيا، لكننا اليوم نكتشف أنها وجدت من ينفض عنها غبار السنين ويفرضها على أجندة الوطن.. بدأنا نسمع أسئلة وآراء عن الجزية وولاية غير المسلم وحرمانية أن يحمل المسلم للمسيحى مشاعر الحب، أو أن يهنئه بالعيد..

بدأنا نسمع عن دولة المسلمين فى مصر ودولة الأقباط القادمة.. بدأ من كانوا يتوارون وهم يطالبون بتدخل دولى يظهرون على الساحة أكثر جرأةً، لأنهم يمتلكون الآن ما يدفع المصريين الأقباط لأن يشعروا بالخوف، يضاف إلى ذلك أن أولئك الذين كانوا يحملون لواء الدفاع عن المواطنة كحق أصيل بدأوا يتوارون أو يخفتون أصواتهم إن لم يسكتوها تماما وذلك نفاقا للقوى الدينية الإسلامية الصاعدة، التى احتلت واجهة العمل السياسى، ولأنهم لا يريدون صداما معهم بحثا عن دور أو عدم تربص بهم، فاختفى الكثير ممن احتلوا موقع النخبة – كما اعتادوا دوما – عندما احتاجهم الوطن لمواجهة التراجع فى مفهوم المواطنة.

لست فى موقع النصح، ولكنى من موقع المواطن الذى له الحق فى أن يطلب من كل الفاعلين على الساحة السياسية أن يعملوا من أجل هذا الوطن.. من هذا الموقع أوجه كلمتى هذه إلى القوى الدينية الإسلامية التى احتلت موقعا متميزا فى المشهد السياسى، بأن يدركوا أن العمل السياسى ينبغى ألا يكون عملا دعويا، وأن السياسة تعنى العمل على تقوية الدولة وليس دق أسافين التمزق فى أوصالها، وإذا كان قد قدر لكم أن تلعبوا هذا الدور السياسى المتميز فى هذا المستقبل القريب فلتكن نظرتكم أكثر شمولا من أجل وحدة هذا الوطن، لذلك أدعوكم إلى التوقف الفورى عن طرح موضوعات الانشقاق، وأن توجهوا قواعدكم إلى التوقف التام عن اللعب بنار الفتنة وأنتم قادرون على ذلك، وأن يصدر عنكم ما يؤكد التزامكم بمفهوم المواطنة، ويرتبط بذلك من السلوك والإجراءات ما يؤكد صدقكم فى تبنى هذا المفهوم.

دائما أقول: إن مصر دولة خلقت لتبقى، ولا أتمنى أن يكون بعض أبنائها سببا فى تمزيقها أو حرقها.

كل عام وأنتم بخير

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s