مصر من السماء

بقلم: عبداللطيف المناوى

القاهرة من اعلى

مصر أكبر كثيرا جدا مما يمكن لأى بشر أن يتخيل، أياً ما كان أو من كان. هذه الحقيقة احتلت تفكيرى ومشاعرى وأنا أنظر من خلال شباك الطائرة إلى ملامح وتفاصيل مصر، ها هو شاطئ البحر يحتضن مدناً مصرية نشأت منذ بدء الحضارة، وهذا النهر الذى حفر مجراه وسط هذه الأرض على مر السنين بمائه الذى ينساب بإصرار وقوة، يلتقى بمياه البحر الهادر ليرسما معا حضارة من أقدم ومن بين أول حضارات البشرية، رسمت ملامح التاريخ وحددت حقائق الجغرافيا.. كل هذا بهدوء راسخ وإصرار نجح فى حفر مجرى هذا الوطن ليصبح أبديا.

تتوغل الطائرة داخل أرض مصر، أحاول أن أتفقد ملامح الخريطة وأطابقها من السماء مع ما حفظته من ملامحها، ها هى الرقعة الزراعية الخضراء التى يبدو أنها لم تنجح فى الدفع بصفار الصحراء للتراجع، ويبدو أيضا أن الرقعة التى تشغلها المدن تزحف نحو اللون الأخضر، وتبدو القرى والمدن كأنها بقع فى الثوب الأخضر غابت عنها دقة الرسم والتحديد، وتعكس الصورة من السماء هذا التحدى الذى ظل قائما على مدار مئات السنين لكسب مساحات أرضنا المهدرة وإضافتها إلى المساحات المحدودة المستغلة، والأهم من ذلك وضع الحدود الواضحة للمناطق السكانية داخل الدلتا التى تتآكل أمام الزحف السكانى الذى يلتهمها من الداخل، وهذا هو أحد التحديات الكبيرة التى تواجهنا وتواجه كل من سوف يتصدى لقيادة هذا الوطن، وتساءلت: هل يدرك المتصارعون على الفوز بالحكم ما هو مطلوب منهم؟

ترسم بعض الخطوط المستقيمة ملامح الطرق الرئيسية، ويستطيع من ينظر بتركيز ويعرف الملامح الأساسية للخريطة أن يحدد مسار هذه الطرق، ويلحظ أيضا الالتفاف المفاجئ أحيانا لبعض هذه الطرق، وكان ذلك لتفادى قطع بعض الأملاك الزراعية لبعض كبار الملاك قديما، وكان الحل هو أن ينحنى الطريق أمام قوة الملكية. وأتساءل: هل سوف ينجح القادم فى أن يحمى الأغلبية، وأن يحول دون أن ينحنى الطريق المستقيم أمام أى قوة اجتماعية أو تيار دينى أو سياسى؟ هل سوف ينجح الطامعون فى الحكم فى تحقيق ذلك، بل هل هم يدركون ذلك؟

تغوص الطائرة أكثر فى أراضى مصر، وكلما أوغلت سيطرت علىَّ الفكرة، بل الحقيقة: إن مصر أكبر كثيرا مما يتخيل أى منا، محكومين أو طامحين إلى الحكم. وهنا أعنى بـ«الكبر» ليس فقط كبر المساحة أو امتداد الحدود، بل أعنى بـ«الكبر» فى كل شىء: فى المساحة، فى الحدود، فى المشكلات، فى التاريخ، فى الإمكانيات، فى التحديات.. مصر أكبر كثيرا من أى شخص وأى تيار، بل يمكن اعتبار أن مصر الوطن أكبر من أبنائها. استطاعت مصر الوطن، طوال تاريخها، أن تحتوى وتذيب فى نسيجها كل من قدم إليها، وكان هذا الاحتواء دائما احتواء إيجابياً ثنائياً وليس إقصائياً، بمعنى أنه كان احتواء يضيف إلى كلا الطرفين، وهكذا أصبح لدينا المكون الثقافى المصرى الناتج عن هذه العملية من الاحتواء الإيجابى على مر العصور.

لقد غيّرت مصر الدين واللغة مرات عدة، منذ عهد الفراعنة الأوائل، منذ عصور آمون وآتون إلى المسيحية وانتهاء بالإسلام، من اللغة الفرعونية القديمة، انتهاء بالعربية.. مر على مصر واحتلها وسكنها وغزاها العديد من أجناس الأرض، وكانت طبيعة الاحتواء الإيجابى التى حبى الله بها هذه القطعة من الأرض هى الأسلوب الذى أفرز فى النهاية هذه الشخصية المصرية التى هى مزيج من كل ما مر على هذه الأرض من ثقافات وديانات وأجناس. هذا المزيج هو ما أراهن عليه شخصيا من أنه قادر حتى فى لحظات الظلام والتراجع على أن يعود لينتصر لحقيقة الشخصية المصرية. وهنا أيضاً يقفز إلى ذهنى التساؤل: هل يملك أى تيار أو فصيل، سواء كان دينيا أو سياسيا أو عرقيا، أن يتحكم ويفرض نمطا يناقض هذا التكوين المتميز للشخصية المصرية الحقيقية المتوارية؟ وإجابتى هى النفى.

ترسم الدلتا حدودها، انطلاقا من نقطة نهاية الوادى وانقسام النهر إلى فرعين، فى مشهد تعجز كلمات عن وصفه، ويزداد اقتناعى بأن جغرافيا الأرض تساهم فى تشكيل الشخصية، ويزداد اقتناعى أكثر بأن مصر الحقيقية أكبر كثيرا من كل أولئك الذين يعتقدون أنهم قادرون على الاستئثار بها.. مصر هى كل ما خطّه التاريخ، وكل ما مر بها من أجناس وثقافات وديانات، ومياه كثيرة جرت عبر النهر الذى لم يغلب فى أن يحفر لنفسه مجراه رغم كل التحديات.

الرابط الاصلي على المصري اليوم: http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=322710

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s