إخراج الجيش من المعادلة

بقلم عبداللطيف المناوى

الجيش المصري

أكثر الحوارات حضورا فى جميع مجالس المصريين هو وضع القوات المسلحة، خاصة مع التطورات الأخيرة التى شهدتها مصر مؤخرا، ليس فقط منذ أحداث محمد محمود ومجلس الوزراء بل من قبل ذلك، خاصة منذ أحداث ماسبيرو، وعلى الرغم من الاتفاق على أن هذه الأحداث قد لا يكون المجلس مسؤولاً عنها مسؤولية كاملة، فإن استغلال هذه الأحداث قد تم بشكل مؤثر فى توجيه الضربات إليه، تحقيقا للهدف الساكن بعض الرؤوس والعواصم بهدم العمود الباقى من أعمدة الدولة.. وهذا هو الخطر الكبير الذى لو أدركه العقلاء لكان رد الفعل مختلفا، صحيح أن هناك أخطاءً، وقع المجلس فيها فى إدارته للأزمة أو للدولة، إلا أن هذا لا يجوز أن يكون سببا لهدم المجلس ومن معه، لأن هدمه أو دفعه ليكون ظهره للحائط لن يدفع ثمنه سوى المصريين البسطاء، أصحاب هذا الوطن الحقيقيين. البعض منا يسوقه الغضب لما يبدر عن إدارة المجلس من أخطاء أحيانا لأن يستدرج نحو المشاركة فى الصراحة بخروج الجيش. الملاحظ أن حجم الثقة فى المجلس العسكرى آخذ فى التآكل خلال الفترة الأخيرة، ومن المتوقع أن تستمر هذه الحالة ما لم يتم اتخاذ إجراءات سريعة لكسب الشارع مرة أخرى.

الجانب المطمئن حتى الآن، أنه على الرغم من هذه الحالة، فإن القطاع الأكبر من المصريين، الذين مازالوا يحافظون على فطرتهم، مازال يميل إلى الاستقرار، والمجلس – بشكل أدق القوات المسلحة – يعبر عن معنى الاستقرار، رغم كل ما يمكن أن يتهم به عن حق أو باطل فإن ذلك ينبغى ألا يكون مبررا للمشاركة دون وعى فى مخطط هدم الجيش. وأبادر بالإشارة إلى أن الفصل بين قيادة الجيش، المتمثلة فى المجلس، وبين الجيش نفسه، هو خلط مقصود الهدف منه تسهيل مهمة التخلص من المجلس، وبالتالى من القوات المسلحة كعامل اتزان من المهم وجوده فى هذه المرحلة إلى أن تصل البلاد إلى بر الاستقرار.

لم أكن يوما من الداعين لحكم العسكر، ولن أكون من المطالبين باستمرار حكم عسكرى غير مبرر، ولكن معادلة السياسة والحكم وتوازن القوى تغيرت فى مصر منذ الحادى عشر من فبراير، وأصبح الجيش عنصرا أساسيا من عناصر المعادلة، وإخراج هذا العنصر قسرا هو إخلال بالمعادلة يهدد بانهيارها، والانهيار هنا يعنى الفوضى.

أظن أن الوصول إلى درجة التشكيك فى مشاركة الجيش فى إحداث التغيير فى مصر، وصولا إلى جدوى الجيش، هو شكل من أشكال هدم جسور الثقة بين الشعب وجيشه. الاستناد إلى أخطاء، بعضها حقيقى والبعض الآخر غير حقيقى، والتركيز عليها إعلاميا هو الأسلوب المتبع الآن لدفع الجيش خارج الساحة. وقد يكون من المفيد الإشارة سريعا إلى بعض أخطاء إدارة الجيش للأزمة أو للدولة، وهذه الأخطاء التى كان من الممكن تداركها، ومازالت الفرصة سانحة، لابد من المصارحة بها ومواجهتها كخطوة أولى لوقف التآكل الحادث فى الثقة بالجيش، وتدعيم جسور الثقة التى هى قائمة بالفعل، ولكنها تحتاج إلى جهد ونية صادقين حتى تنجح المهمة.

قد يكون البطء فى اتخاذ القرارات هو الآفة الرئيسية التى يشعر بها الناس، وهذا البطء يفتح المجال واسعا للتشكيك، وتتطور الأحداث المتعلقة بالقرار حتى يكون القرار عند صدوره غير ذى جدوى، والأمر الأكيد هنا أن القرار الصحيح المتأخر هو بالتأكيد قرار خاطئ.

تجاهل لهفة الناس لمعرفة التفاصيل فى بعض القضايا المهمة، وفيما يبدو فإن الرغبة فى الالتجاء إلى القنوات التقليدية هى سبب التأخير فى بعض الأحيان، وطبيعة العمل والعاملين فى القوات المسلحة التى تميل إلى التحفظ هى السبب الآخر، لكن الأمر المهم هنا هو أن هذا التجاهل يخلق حالة من الغضب، والأهم أنه يزرع حالة من الشك وعدم تصديق ما يحاول المجلس العسكرى إقناع الناس به من قضايا، وقد يكون ذلك الجدل القائم حول مسألة وجود طرف ثالث يستهدف البلد هو نموذج واضح للتدليل على هذه الحالة.

أيضا، ما يبدو أحيانا من تضارب وعدم اتفاق بين أعضاء المجلس على شاشات التليفزيون وصفحات الصحف، إذ يخرج أحد القادة بتصريح، ما يلبث أن ينفيه تصريح آخر، وهذا أمر يلقى بظلال على مدى تماسك واتفاق أعضاء المجلس.

الخطأ الآخر الذى يقع فيه المجلس وهو يرتبط بكل ما سبق، هو عدم طرح حقيقة الأوضاع أو المشكلات والمخاطر التى تواجهها الأمة.. فإذا لم يعلم الناس حقيقة الأمور فلن يكون هناك من يأخذ موقفا إيجابيا، وهذا يفتح الباب واسعا لغرس بذور التشكيك والعداء، وهذا ما يهدف إليه النافخون فى الجمر. هناك حوادث يبدو منها الإصرار على هدم الجيش، وذلك بالمحاولة المستمرة لدفع أفراد الجيش للاحتكاك بالمتظاهرين لخلق أسباب لتفجير الحالة وضرب العلاقة بين الجيش والشعب.

هناك حاجة ملحة لأن يتحرك المجلس العسكرى على وجه السرعة لوقف هذا التآكل البادئ فى الثقة، التى كانت شبه مطلقة بين الشعب وجيشه، والوقت لم يتأخر للتحرك السريع لبدء اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتجاوز هذه الأوضاع المتأزمة، وهذا لن يحدث إلا بتحرك صادق وجاد وواع من المجلس، أهم عناصره هو خلق الثقة واستعادة هيبة الدولة.

رابط المقال على موقع المصري اليوم : http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=322386

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s