التطهر المزعوم

يقلم: عبد اللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

قى بعض الأحيان تعمينا الرغبة فى تحقيق سبق صحفى عما قد يسببه هذا السبق من ضرر دون أن ندرى، وفى أحيان أخرى يغرى الهواء بعض المذيعين فيندفعون دون رادع وراء سخونة الموضوع وتفجير القنابل على الهواء، وأظن أن كلاً من الحالتين شديدة الخطر، ولو أدرك من يمارس هذا الخطأ مدى هذه الخطورة ما مارسها، ولكن أظن أيضا أنهم لا يريدون، أحيانا، أن يدركوا لأن الإغراء كبير، وأن تكون محور حديث واهتمام الجمهور هو أمر يستحق أحياناً غض الطرف.

تابعت، خلال الأيام الماضية، العديد من البرامج الكثيرة التى اصطلح على تسميتها – خطأ – «التوك شو»، وأكثر ما لفت نظرى هو تسيد ذلك الخطأ القاتل الذى أشرت إليه، يضاف إليه ما وجدته من سيادة رؤية أحادية للأحداث والإصرار على ممارسة أقصى درجات غض الطرف ولأكن أكثر صراحة: الهرولة من أجل ما يعتبره البعض من الزملاء «تطهراً»، والطريق إلى ذلك هو النفاق غير المشروط للتحرير أياً من كان قاطنوه فى أى لحظة، وكأن الميدان أصبح متجسدا فى شكل كيان حى يكتسب من يدخله أو ما يمارس فيه قدسية خاصة وحماية مطلقة، وهذا خطأ كبير لا يريد العديد من الزملاء إلا أن يمارسوه تدفعهم إلى ذلك الرغبة الجامحة للكسب الإعلامى بلا إدراك – وهذا ظنى – للخطورة التى يشكلها أو يساهم فى تأصيلها فى المجتمع.

هذه الهرولة من أجل التطهر المزعوم أكدت مفهوم أحادية الفكر وسيطرة الاستقطاب المجتمعى الحاد، حتى تم تقسيم المجتمع المصرى إلى شيع وجماعات أخشى أنها مقدمة لما هو أسوأ.

من بين ما أفرزته نتائج الانتخابات هو ذلك التوقع الذى بات يقينيا بأن الإخوان المسلمين والسلفيين باتوا حاضرين بشدة على ساحة العمل السياسية، وتمكنوا من تثبيت أقدامهم فى البرلمان المقبل. هذا المتغير المهم لقى صداه فورا لدى العديدين من العاملين فى المجال الإعلامى والسياسيين على حد سواء، بل وصل الأمر بالبعض إلى أن بدأ يكتشف، فى بعض من جوانب نفسه، نزعات دينية كانت مختفية، بدأوا اكتشافها مرة أخرى تقرباً للتيار الصاعد.

هذا الصعود الجديد لذلك التيار أثار فى المجتمع حالة متناقضة من السعادة على منطلق دينى، أو الخوف الذى سكن قطاعاً كبيراً من المصريين، على رأسهم المصريون الأقباط. وقد كان متصوراً أن تكون لغة الخطاب من القوى الدينية ذات لهجة تصالحية تطمينية، وما حدث هو العكس تماما!

هذا الطرح الذى قدمته هذه الأحزاب أو بعض قياداتها هو موضوع مغرٍ للإعلام، خاصة ذلك الذى يعيش على تلك التناقضات. وفى هذا الإطار ظلت الموضوعات أو القنابل التى يلقيها بعض ممثلى هذا التيار حول القضايا المختلفة هى وقود العديد من الإعلاميين، وأصبح الحديث عن الجزية ودولة الأقباط وغيرها من الموضوعات، التى تشق الأمة ولا تجمعها، وقوداً للعديد من البرامج. حتى هذه اللحظة كان من الممكن أن يكون الأمر مقبولاً لو الغرض من النقاش هو إزالة هذا التوتر المرشح للتطور فى المرحلة المقبلة. ما فاجأنى هو تلك المعالجة التى رأيتها والتى اهتم اصحابها باللعب على وتر الخلاف، والهدف الرئيسى بات هو كيف يمكن جنى أكبر نجاح إعلامى، أعتبره زائفاً، فى ظل هذه المخاطر المطروحة، بدلاً من محاولة بذل الجهد من أجل تجاوز هذه الأزمة التى لن ندرك خطورتها إلا إذا «وقع الفاس فى الراس»، وهو ما لا أتمناه لهذا الوطن.

فى ظل هذا الطرح وهذه الأفكار وتلك الحالة المتأزمة فوجئت بحوار يدور بين مصريين، بعضهم مسيحى والآخر مسلم، وتابعت الحوار بين الفريقين لأكتشف أن الحجة تقارعها حجة أخرى فى موضوع دفع الجزية من الأقباط، وعبثاً يدور حوار حول أهم الأسانيد التى تلزم الحاكم المسلم بتحصيل الجزية من غير المسلمين، فى حين كان يجاهد على الطرف الآخر مصريان قبطيان يحاولان طرح مفهوم المواطنة فى مواجهة الجزية، وكان الموضوع الآخر، والذى كان صادما، هو هل يجوز لمسلم أن يحب مسيحياً؟ بمعنى آخر: هل من الدين الصحيح أن يحمل الإنسان مشاعر حب لمسيحى؟ وما كان صادماً أكثر من السؤال المطروح هو تلك الإجابة التى أجمع عليها معظم من تحدث من رجال الدين.

لكن هذا ليس ما توقفت أمامه طويلاً، بل إن ما توقفت أمامه هو ذلك الخطأ الكبير الذى يسمح بطرح مثل هذه التساؤلات والقضايا الخلافية التى لها تأثير خطير فى شق صف الوطن لمجرد طرحها، ما لم يكن ذلك مستهدفا تضييق هوة الخلاف بين الأطراف المختلفة، ولكن ما شاهدته كان أمراً مختلفاً، فقد كان خاضعاً لإغراء الهواء والمهنة. فى بعض الأحيان وفى ظل الأوضاع المشتعلة فإن مجرد طرح بعض الموضوعات يصل تأثيرها إلى حد تدميرى حتى لو لم تكن النية كذلك

رابط المقال على المصري اليوم: http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=321938

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s