أفريقيا تضيع مرة أخرى

بقلم عبداللطيف المناوى

خريطة أفريقيا

فى السنوات الأخيرة بدأت بعض الجهات إدراك الخطأ المصرى المتراكم فى التعامل مع أفريقيا، التى سقطت من الحسابات المصرية لعقود طويلة، وفى إطار هذا الإدراك بدأت بعض الخطوات المهمة فى محاولة استعادة جزء مما فقدناه من أرض، وترميم ما تبقى من جسور بيننا وبين من كنا نسميهم «الأشقاء» فى مرحلة تاريخية معينة، وفرض علينا تحدى ماء نهر النيل أهمية العمل على إعادة الدفة مرة أخرى بقدر الإمكان تجاه أفريقيا، وفى هذا الإطار كان اهتمامى بصفتى الشخصية وبصفتى العملية فى ذلك الوقت متجهاً بشدة تجاه الشأن الأفريقى، وأظن أن زياراتى فى تلك الفترة كادت تنحصر فى الدول الأفريقية.

قفزت إلى ذهنى هذه الصورة عندما قرأت خبراً عن أنباء فى إسرائيل تفيد بأن رئيس دولة جنوب السودان سلفاكير ميارديت سيزور تل أبيب فى الأسابيع المقبلة فى «زيارة تاريخية». ونقلت «معاريف» عن النائب الليكودى دانى دانون، رئيس لجنة الصداقة البرلمانية بين إسرائيل وجنوب السودان، أنه ينوى دعوة سلفاكير لزيارة الكنيست خلال زيارته لإسرائيل.

وقال: «لقد زرت جنوب السودان فى أغسطس.. التقيت الرئيس واتفقنا على أن نعمل معاً (من أجل) إعادة اللاجئين (السودانيين) إلى وطنهم: سنعطيهم تدريباً محترفاً، ونزودهم بحوافز مالية ونعيدهم إلى وطنهم فى أفريقيا». وذكرت «معاريف» أن إسرائيل اعترفت بدولة جنوب السودان بعد استقلالها فى ٩ يوليو الماضى، وتمت إقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين. وذكرت تقارير إسرائيلية أن زيارة سلفاكير لإسرائيل ستسبق سفر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو للقارة الأفريقية، خاصة دول حوض النيل، وسيزور نتنياهو الكونغو وأوغندا، وبعد ذلك إثيوبيا ودولة جنوب السودان.

وهكذا يعود العقد للانفراط، أو بشكل أدق، نفقد مرة أخرى ما بدأنا فى استعادته نتيجة أخطاء الماضى من إهمال للشأن الأفريقى ودول الجوار. كنت قد زرت جنوب السودان قبيل استفتاء تقرير المصير فى يناير الماضى، الذى نتج عنه تقسيم السودان وميلاد دولة الجنوب. عندما وصلت إلى جوبا، عاصمة الجنوب، لمست محاولات مصرية لإعادة بناء ما تصدع فى العلاقات بين مصر ومشروع الدولة التى لم تكن ولدت بعد، كان حضوراً يتمثل فى مستشفيات مصرية ومحطات طاقة، بل وعمالة مصرية.

أذكر أن موظف الاستقبال فى الفندق، الذى هو عبارة عن غرف أشبه بمعسكرات العمال أراد أن يصف لى كيف أن الوجود المصرى قد غير من مشاعر أهل الجنوب، فحكى لى كيف أنهم فى أول أيام عملوا فيها فى الفندق قبل عامين دخل عليه أحد أهالى جوبا وحاول قتله دون أن يفهم لماذا، وأن كل ما قاله إنكم أنتم المصريين قتلتم أخى وسوف أقتلك انتقاماً، لكنهم الآن – كما يقول موظف الاستقبال – أصبحوا يلقون قدراً كبيراً من التقدير والاحترام من أهل الجنوب. لم يعرف موظف الاستقبال وقتها أن هذا الجنوبى عندما أراد أن يقتله، إنما أراد أن ينتقم لمقتل أخيه فى حادثة المهندسين الشهيرة، وأن التقدير والود كان نتيجة للاهتمام المصرى الذى تنامى خلال العامين الأخيرين.

عندما أجريت الحوار مع سلفاكير الذى يتحدث العربية بطلاقة رفض أن يجرى الحوار باللغة العربية، وأصر على الحديث بالإنجليزية، وألقى باللوم على أهل الشمال الذين لم يعلموهم، وتسببوا فى فصل البلاد بالإصرار على تديين الدولة، وبدا سلفاكير الذى يزور العاصمة الأمريكية الآن راغباً فى الاقتراب من مصر، لكنه ينتظر الخطوات الأولى من الطرف المصرى.

هذا التحرك الإسرائيلى المكثف، وذلك الاهتمام الغربى بالدول الأفريقية فى هذه المرحلة ينبغى أن يكونا جرس إنذار لنا فى مصر، ليس صحيحاً أن ننشغل بما يجرى فى الداخل – وهو مهم جداً – بشكل كلى ونسقط ملفات مهمة من حساباتنا. مستقبل هذا الوطن يعتمد على القدرة على الرؤية الأكثر شمولاً، على الاقتناع بأهمية التوقف للتفكير والتخطيط، على لم شمل أطراف وأبناء هذا الوطن من أجل صالحه ووحدته، ولنا مما حدث فى السودان عظة، ولهذا حديث آخر.

المهم الآن وما أردت الإشارة إليه فى هذ المقال هو التنبيه لخطورة الغياب أو الإبطاء فى التعامل مع القضايا الحيوية والماسة بالأمن القومى، وهذا عمل ودور لن تحله المبادرات العاطفية والانسياق وراء فكرة الوفود الشعبية إلى تلك الدول، التى يظن المشاركون فيها أنهم حلوا كل المشكلات مع الدول التى زاروها لمجرد أنهم التقطوا صوراً تذكارية مع المسؤولين فيها. الموضوع أكبر من ذلك بكثير وأخطر من أن يدار بشكل غير احترافى. على الدولة المصرية أن تعود لتسلم الزمام فى إدارة هذه الشؤون وعلى الفور.

رابط المقال الأصلي على المصري اليوم: http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=321062

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s