لا تخطفوا الحلم أو تغتالوه

بقلم عبداللطيف المناوى

انتخابات البرلمان المصري

عندما بدأت العمل فى التليفزيون المصرى كان أهم ما شجعنى على خوض تجربة العمل لأول مرة فى الإعلام المملوك للدولة هو ذلك الحلم بأن التغيير ممكن، تغيير مفهوم تبعية الإعلام للحكومة أو لدافعى الضرائب، ذلك التعبير الذى أظن أننى إن لم أكن أول من استخدمه داخل التليفزيون فقد كنت أكثر المحاولين دائما لتحقيقه أو على الأقل زرعه كمفهوم بين من عمل معى، وأيضا الحلم بأن يكون لى من خلال موقعى ولو إضافة بسيطة فى تحقيق التغيير فى المجتمع الذى كنت أظن أن بوادره منذ سنوات كانت تعبيرا عن نية حقيقية ثبت أنها لم تكن جادة. مرت تجارب عديدة ـ ليس مجال ذكرها الآن وسوف يأتى الوقت المناسب للحديث عنها

ـ لكنها كانت فى معظمها محاولات صادقة وجادة من أجل جعل هذا التغيير حقيقة. حلمت وشاركنى الحلم عدد من الزملاء فى أن نصل لأن يكون لنا ولو دور صغير فى أن نصل إلى حلم الدولة المدنية الديمقراطية المرتكزة على مفهوم سيادة القانون. كنت دوما أعتقد أن هذا لن يتغير إلا إذا نجحنا فى اختراق الأغلبية الصامتة ودفعها إلى المشاركة،

تلك الكلمة السحرية التى من خلالها يمكن تغيير الواقع وخلق واقع جديد، لكنى أعترف هنا الآن بأن نظرتى كانت قاصرة عندما اعتقدت أنه بالحرب فى إطار دائرة صغيرة يمكن تحقيق تغيرات أساسية، ولم أرد أن أفيق من الحلم بالقدرة على التغيير بمواجهة الحقيقة التى تقول إن الإعلام هو نتاج النظام، كل النظام: السياسى والاجتماعى والاقتصادى والثقافى، وبالتالى فإن الإعلام لا يستطيع وحده أن يغير مجتمعاً، لكن يمكن له أن يساهم فى دفعه سلباً،

كما فعل كل الإعلام، خاصاً وعاماً، فى المرحلة السابقة، ولكن التغيير الأساسى والرئيسى لا يمكن أن يحدث إلا بتغييرات جوهرية سواء فى أطراف المعادلة، أو بتغيير قناعات هذه الاطراف بأهمية التغيير، وبالتالى العمل على تحقيقه، أو بتغيير الواقع كله والمعادلة بأطرافها والبدء فى خلق واقع جديد.

ظل هذا حالى ومن آمن معى من زملائى بقناعتى بإمكانية الاستمرار فى الدفع من أجل تحقيق هذا الهدف، هدف المشاركة فى التغيير والدفع نحو مفهوم الدولة المدنية، رغم كل المعوقات والحروب التى واجهناها، والتى ليس مجال ذكرها الآن، وسوف يأتى الوقت المناسب للحديث عنها، وعدم وجود المقومات، إلى أن تغير الواقع كله.

ذكرت ما سبق لأننى وجدت حلما من أحلامى يتحقق أمام عينى الأيام الماضية عندما شاهدت تلك المشاركة الحقيقية من المصريين فى الانتخابات البرلمانية.. وبغض النظر عن كل ما يثار من جدل حول مدى صحة قرار إجراء الانتخابات الآن أم لا، وبغض النظر عن نتائجها، وهل الإسلاميون قادمون أم الليبراليون أم برلمان قادم يحمل كل الألوان أو يحمل فى طياته أسباب انهياره،

بغض النظر عن كل ذلك، فإن العلامة الإيجابية الكبيرة التى يجب أن يحترمها الجميع هى ذلك القرار الذى اتخذه المصريون، وبدا ذلك فى الإقبال الحقيقى لدى عدد كبير من المصريين للمشاركة فى الانتخابات. ظللنا طويلا نتساءل: لماذا يشارك المصريون فى انتخابات النوادى ولا يشاركون فى انتخابات البرلمان؟.

وكانت الإجابة دائما ـ والتى ذكرتها دوما ـ بأن ذلك سببه أن الناخب فى النادى يعلم أن صوته له تأثير فى النتيجة، أما فى البرلمان فهناك اقتناع بأن النتيجة معروفة مسبقا، وهذه هى المأساة. كنت أظن أن مجرد النقاش ومحاربة طواحين الهواء والإصرار على ترويج مفهوم المشاركة يمكن أن يصل بنا إلى ما أردناه دائما من دولة ديمقراطية حقيقية، لكن كان للناس دوما رأى آخر.

المهم هنا اليوم هو البحث عن الأسلوب الذى يمكن من خلاله تطوير هذه الخطوة المهمة فى تاريخ المصريين الذين عرف عنهم تاريخيا العزوف عن المشاركة، وهنا أدعو الجميع فى التحرير والعباسية وميادين مصر المختلفة، وأدعو الإسلاميين والماركسيين والناصريين والليبراليين والأحزاب الباقية على قيد الحياة، إلى احترام هؤلاء الذين بدأوا يحلمون ويعتقدون أن هذا البلد هو بلدهم بحق، وبالتالى فليس من حق أى جماعة أن تخطف الحلم أو تفسده. هناك تخوفات لدى الليبراليين من سطوة الإسلاميين،

وهناك شكوك تسكن الإسلاميين تجاه الليبراليين، ومستقبل الوطن كله يبدو مجهولا إن لم يكن قاتما، ولكن ظهور هذا المستوى من المشاركة هو نقطة الضوء الوحيدة التى شاهدناها خلال الأشهر الماضية، فلا تقضوا عليها ولا تطفئوها.. هذه المشاركة إن استمرت فهى الضمانة الوحيدة لاستمرار هذا الوطن بالشكل الذى يليق به.

رابط المقال على المصري اليوم: http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=319527

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s