نبلاء أثينا ونبلاء التحرير

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

من الصعب جدا فى ظل كل الأحداث التى نعيشها، وكل ملامح الاندفاع نحو المجهول الذى نمارسه بامتياز هذه المرحلة ـ من الصعب اختيار موضوع بعينه للحديث أو للإنذار، وذلك من كثرة الموضوعات المطروحة وأجراس الإنذار المدوية، لكن من بين ما شهدناه استوقفنى خبر قرأته لحظتها، غير مصدق إمكانية حدوثه، بأن المتظاهرين فى ميدان التحرير قد قرروا إجراء استفتاء بين المتظاهرين، أو بعضهم، من أجل اختيار مجلس رئاسى أو حكومة انتقالية.

للحظة تصورت أن هذا الخبر ما هو إلا فكرة انفعالية غير ناضجة من أحد أو بعض الشباب الذى حال حماسه بينه وبين أن يدرك ما يمكن أن يضيف، وما يمكن أن يخصم من صالح الوطن، إلا أن الغريب والمفاجئ أن الفكرة قد راقت للعديدين فى الميدان، ليس هذا فقط بل إنها وجدت قبولا من بعض ممن يبدى الحكمة والحرص على المصلحة العامة، سواء بحكم السن أو بحكم الممارسة السياسية الطويلة وفهم مبادئ السياسة وأهمية الحفاظ على وحدة الوطن.

وقد تمخض هذا الاستفتاء عن اختيار لجنة أو مجلس أو مجموعة قيل إنها رئاسية فى البداية، ثم تم التعديل إلى كونها وزارة إنقاذ وطنى، وأظن أن هذا الموقف جدير بالتوقف أمامه والتساؤل عن دلالاته وآثاره، ولعل أكثر هذه الأسئلة حضورا هو: بأى حق انتزع هؤلاء، أياً من كانوا، حق القرار نيابة عن كل المصريين، سواء كان عدد هؤلاء ألفاً أو خمسة عشر ألفا؟

منذ حوالى ألفين وخمسمائة عام، وفى مدينة أثينا اليونانية القديمة، ولد أول مفهوم للديمقراطية، وكان ذلك بين عامى ٥٠٨ حتى٢٦٧ قبل الميلاد، ولكن المشكلة الكبرى فى الديمقراطية الأثينية كانت تكمن فى مفهوم المواطنة نفسه.

فحق الانتخاب والتصويت على التشريع والقانون كان مقصورا على الذكور البالغين المولودين لأبوين أثينيين من الأحرار، أما العبيد الذين كانوا يشكلون الأكثرية الساحقة من سكان أثينا فلم يكونوا يعتبرونهم من المواطنين، بل لم يكونوا يتمتعون بأى حقوق سياسية أو مدنية، كما أن فكرة الحرية التى هى مركزية فى الفكر الاجتماعى اليونانى كانت مقتصرة على اليونانى الحر، وكانت هى التى تميز بين اليونانى و«البربرى»، حيث كان يعد بربرياً كل من لم يكن يونانياً. وكان هذا مولد الديمقراطية التى تطورت بعد ذلك على مدار عشرات القرون التالية ليستقر مفهوم الديمقراطية التى تعنى دولة القانون فى الأساس وعدم استثناء أو إقصاء أى مواطن على أساس طبقى أو معتقد دينى أو الجنس أو العرق، وأظن أنه يمكننى هنا أن أضيف إلى الحالة المصرية، أو موقع المواطن: هل هو فى التحرير أو العباسية أو فى منزله؟!

هكذا كان مفهوم الديمقراطية منذ خمسة وعشرين قرنا، ديمقراطية النبلاء وقرار السادة، ولا مكان للعبيد أو الرعاع أو البربر، بمفهوم تلك الأيام، فى هذه الديمقراطية، ولا حق لهم إلا أن ينصاعوا لديكتاتورية الأقلية التى ارتدت مسوح الديمقراطية، ولكن هذا الشكل كان مقبولا فى بداية التطور الإنسانى، مثله مثل نظرتنا الآن لسيارة موديل نهايات القرن التاسع عشر، نقدرها ونعجب بها ولكن لا نستخدمها ولا نعيد إنتاجها. لكن ما يحدث الآن هو إعادة إنتاج للمفهوم البدائى لحكم الشعب، لذلك فإنه من غير المفهوم ذلك السلوك الذى حدث فى التحرير، لأنه ببساطة يعطى الحق فقط لـ«نبلاء» الميدان أن يقرروا مصير العبيد والرعاع بقية الشعب المصرى خارج الميدان، وهذا أمر خطير.

عندما طرحت فكرة استفتاء المصريين أصحاب الوطن فى الأسئلة المهمة التى اختلفت حولها الجماعات السياسية الحاضرة على الساحة هاجم البعض الفكرة بعنف، واستكثر البعض على المصريين خارج الميدان أن يكون لهم الحق فى تقرير مصير وطنهم، ولكن زاد على ذلك أن الاستفتاء أجروه فقط فى الميدان لأهل الميدان، وهنا أسأل: هل هذا يعطى الحق لمن يتمكن من التجمع فى ميدان آخر أن يقرر من هو رئيسه أو أعضاء حكومتهم؟

هل هذا يعنى أن كل جماعة سياسية يمكن لها الآن أن تجمع مؤيديها فى ميدان ما لتفرض من تراه الأحق؟ هل سوف نرى من يختار البرادعى، أو عمر سليمان، أو أحمد شفيق، أو عبود الزمر أو غيرهم رئيساً؟! إن الإصرار على حالة الفصل بين الميدان، أى ميدان، وبقية أهل مصر هو فصل لن يؤدى إلا إلى الشرخ، ونحن فى حالة نحتاج فيها إلى تأكيد مفهوم وطن كل المصريين. وكما سبق أن قلت: لا يملك فرد، أياً من كان، أن يزايد على وطنية أو حق أى مصرى فى أن تكون له مشاركته وقراره فى مستقبل وطنه، سواء كان من النبلاء أو الرعاع.

رابط المقال على المصري اليوم: http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=318940

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s