الهيبة والديمقراطية ودولة القانون

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

أثار ما كتبت مؤخرا عن هيبة الدولة نقاشا حول مفهوم الهيبة، واتهمنى البعض بأننى أروج لمفهوم إرهاب الدولة لمواطنيها من أجل استعادة الأمن والأمان المفقودين، والحقيقة أن ما قصدته بعيد عن مفهوم الإرهاب، لكنى بالتأكيد مع اتخاذ كل الوسائل لاستعادة الأمن والأمان.

وقد يكون سبب هذا الفهم غير الدقيق يعود إلى ذلك الخلط بين مفهومى الدولة والحكومة، فالحكومة هى جزء من الدولة التى هى الوطن وأهل هذا الوطن. والهيبة ليست إرهاباً، لكنها تقدير واحترام ووضع للدولة فى مكانها، فلو هانت الدولة على أهلها وفقدت احترامهم فذلك أدعى لفقدان الدولة ومواطنيها احترام الآخرين، وهو الأمر الذى لا نتمنى أن يكون حالنا. حديثى عن الهيبة المتراجعة أو المفقودة للدولة ليس حديثا ابن اليوم، لكن سبق أن أشرت مرات عدة منذ سنوات إلى ذلك التراجع اللافت للنظر لهذه الهيبة لدى المواطن، وتواصل هذا التراجع حتى وصل إلى مرحلة التآكل شبه التام لهذه الهيبة خلال الأشهر الأخيرة، وغياب الهيبة مرتبط بغياب القانون والقدرة على تنفيذه، من هنا طرحت السؤال الذى أعتبره فارقا فى هذه المرحلة، هل نحن بالفعل فى حاجة إلى الدفع لإيجاد الدولة الديمقراطية، أم أن الأهم هو الدفع لإيجاد دولة القانون أولاً؟ والسؤال هنا ليس فلسفياً لكنه – كما أظن – سؤال جوهرى والإجابة عنه سوف تحدد مستقبل هذا الوطن.

وقبل أن أصل إلى إجابتى المقترحة عن هذا السؤال فقد يكون من المناسب الإشارة بسرعة إلى أن مفهوم دولة القانون قد ظهر فى أوروبا بعدما كانت الكنيسة «المؤسسة الدينية» تدعو لنظرية الحق الإلهى المباشر، وباسمه سيطرت على السلطتين الدينية والحياتية، وذلك حتى بدايات عصر النهضة عندما أخذ مفهوم دولة القانون ينتشر تدريجيا أواخر القرون الوسطى، وتطور نظام الحكم ليصل إلى الملكية المقيدة. وجاءت الثورة الفرنسية لتعلن أنه لا توجد سلطة فوق القانون، فالقانون هو الذى يحمى الفرد من الاستبداد ويحمى الدولة من تجاوز الأفراد.

فدولة القانون يجب أن تخضع للقواعد التى تضمن الحريات للمواطنين والاستقرار للدولة، وعليه فالرابط وثيق بين هذه الدولة والديمقراطية، بمعنى أنه ليس بالضرورة أن كل دولة قانون دولة ديمقراطية، لكن كل دولة ديمقراطية يجب أن تكون دولة قانون أولاً.

بناء على ما سبق فإننى أظن أن غياب مفهوم القانون وسيادته عن النقاش العام هو خطر كبير على مستقبل هذا الوطن. لقد اعتدنا فى العديد من مراحلنا السياسية على إطلاق شعارات قيّمة لكن تفننا فى انتهاكها حكاما ومحكومين، من بين هذه الشعارات شعار أو مفهوم سيادة القانون، الذى انتهى الأمر بنا إلى أن جعلناه «قيادة» القانون ولىّ عنقه من أجل مصالح صغيرة وكبيرة، وظل العيب الأساسى الذى عانينا منه ومازلنا هو أن القانون يقف المواطنون منه على مسافات متباينة، بعضها يقترب والآخر يبتعد عن القانون، فسقط شعار سيادة القانون. واليوم زاد على ذلك غياب القانون نفسه، وسيادة قانون جديد لكنه قديم قدم الخليقة هو الأقرب إلى قانون الغاب، وهو الأمر الذى يمكن أن يدفع بنا بالفعل إلى أن يتحول هذا المجتمع إلى مجتمع الغاب.

حين تضمر سيادة القانون أو تضمحل، كما هى الحال عندنا، تكف الدولة عن كونها دولة سياسية، بل عن كونها دولة، وتتراجع قيمة الوطن والمواطن، ضمور سيادة القانون أو اضمحلالها هو ضمور المعنى أو اضمحلاله، إذا سلمنا بأن القانون هو معنى الدولة، وأنا أظنه كذلك. لذلك فإن إجابتى عن السؤال الذى طرحته فى البداية هى أنه لن تقوم لنا قائمة مع غياب القانون، ولن تكون هناك ديمقراطية قبل وجود دولة القانون، القانون الذى يقف على مسافة متساوية من كل المواطنين، وأن تمتلك الدولة الأدوات والوسائل الكفيلة بإعمال وتنفيذ هذا القانون، عندها نستطيع القول إننا امتلكنا الدولة التى استعادت هيبتها وتصلح ساعتها لأن تكون ديمقراطية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s