هيبة الدولة فى مهب الريح

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

مرة ثانية وثالثة، وبلا ملل سأستمر فى التحذير من أن الدولة المصرية تواجه خطرا حقيقيا، تتعدد مصادر هذا الخطر داخليا وخارجيا، لكن إسقاط الدولة هو الكابوس الحقيقى الذى أخشى على هذا الوطن منه. أحد أهم عناصر سقوط الدولة هو تراجع هيبة الدولة، فما بالك بسقوط هذه الهيبة؟! وهذا هو الوضع الذى ينبغى أن نصارح أنفسنا به، ولا نضع رؤوسنا فى الرمال مفسرين ذلك بأنه نتيجة طبيعية تمر بها المجتمعات التى تتعرض لتغيرات اجتماعية أو سياسية كبيرة، كما هو الوضع فى الحالة المصرية. إن ما يجب أن نصارح به أنفسنا الآن هو أن مصر تمر بمرحلة تآكل غير مسبوقة لهيبة الدولة، وأن هذا التآكل يكاد يصل إلى حد الاكتمال، والأخطر أن هناك من يرفض الاعتراف بذلك لتغطية عدم القدرة على مواجهة هذه الحقيقة وتبعاتها، ولأن أيديهم ترتعش عاجزة عن اتخاذ القرارات اللازمة لاستعادة هذه الهيبة، وينبغى أن نتذكر دائما أن الأيدى المرتعشة لن تصنع مستقبلا.

لأدلل على ما أقول، فإننى أسوق اليوم عددا من عناوين لأخبار، جميعها فى يوم واحد، منشورة فى صحيفة واحدة، جميعها فى الصفحة الرئيسية، وسوف أحذف فقط أسماء المدن والقرى من العناوين ليس لأنها باتت معروفة للجميع، ولكن لأن قضيتى ليست الأسماء، لكن ما يهمنى هو ما يحدث فى مصر الآن ودلالات هذه الحوادث على انهيار الأمن وغياب الإحساس بالأمان. هذه بعض من تلك العناوين:

«… لاتزال أجواء حرب الشوارع تخيم على مدينة…».

«صراع القبائل أصبح قنبلة موقوتة فى مدينة…».

«فك الحصار المسلح عن بلدة…».

«سائح يموت بطلق نارى…».

«تحرير الرهائن المختطفين من قرية… بمحافظة…».

«عقد مصالحة (عرفية) بين الطرفين‏…».

النماذج السابقة من أخبار حقيقية تحدث فى مصر، وكلها حصيلة يوم واحد، ومثل هذه النوعية من الحوادث مع انتشارها إنما تدلل على أمر أساسى وخطر حقيقى هو غياب هيبة الدولة. هذا الغياب إن استمر فسوف يؤدى إلى حالة كارثية لا يستحقها منا هذا الوطن.

إن ما تعانيه مصر هذه الفترة هو ذلك التجرؤ والتحدى لسلطة الدولة والقانون. لم يحدث فى دولة متحضرة فى العالم أن تحول أسلوب قطع الطرق الرئيسية أو طرق السكك الحديدة إلى وسيلة للمطالبة بما يعتقده قاطعو الطريق أنه حق لهم، وليس مقبولا أن تحل جماعة مشكلتها مع جماعة أخرى بالخطف أو الحصار، بينما اكتفت أجهزة الدولة ذات الأيدى المرتعشة بالبحث عن الطرق العرفية لحل هذه المشكلات، وأنا هنا لا أعترض على استخدام الطرق العرفية ولكنى ضد أن يتم التعامل معها باعتبارها الوسيلة الوحيدة.

هذا الوضع القائم الآن فى مصر الذى يهدد بانهيار الدولة المصرية العريقة يطرح تساؤلا مهما بل مصيريا حول الأولويات التى ينبغى أن تشغلنا فى هذه المرحلة. هذا التساؤل هو: ما الذى تحتاجه مصر فى هذه المرحلة: الدولة الديمقراطية أم دولة القانون؟ واعتقادى الخاص هو أننا فى أشد الحاجة إلى إرساء دولة القانون قبل الحديث عن الديمقراطية. دولة القانون هى الطريق الطبيعى للتقدم بما فيها الديمقراطية.

دولة يكون فيها القانون هو السيد، ويكون فيها المواطنون جميعهم على مسافات متساوية من القانون. باختصار، أن يتم تطبيق ذلك الشعار الذى فقد مغزاه من كثرة انتهاكه وهو «سيادة القانون»، لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد، بل إن هذا القانون يحتاج إلى أياد واثقة قوية، قادرة على وضع هذا القانون موضع التنفيذ، دون النظر إلى مكانة، أو تهديد، أو سلاح. هذا الوضع يحتاج إلى إيمان منا جميعا بأهمية استعادة الدولة المصرية هيبتها المفقودة لترسى قواعد الأمن والأمان للمواطن، فى ظل دولة قانون تؤدى بالضرورة بعد ذلك إلى تطور سياسى حقيقى.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s