انتخبوا حرم الأستاذ

بقلم عبداللطيف المناوى

انتخابات البرلمان المصري

الرغبة فى التخلص من الماضى أمر يمكن أن يؤدى إلى العديد من المخاطر، تطور المجتمعات أشبه بالبناء المتدرج، طبقات تبنى فوق بعضها البعض، والنجاح يكون فى مزج هذا الكيان وصهره للخروج بأفضل ما يمكن من نتائج. وأذكر هنا ذلك الكتاب القيم الذى كتبه الدكتور ميلاد حنا عن الأعمدة السبعة للحضارة المصرية، هذه الحضارة ليست منبتة الصلة عن الماضى، ولا يمكن عزل الماضى عن الحاضر والمستقبل وإلا كانت النتيجة بناء بلا أساس.

أقول هذه المقدمة لما لاحظته، خلال الفترة الماضية، من محاولة إزالة كل ما له صلة بالثلاثين عاما الماضية، والبعض الآخر يزيد الفترة إلى ستين عاما، أى منذ قيام ثورة يوليو ١٩٥٢، وعلى الرغم من الاتفاق النسبى مع ما يطرح من سلبيات وأخطاء، بل خطايا أحيانا، خلال هذه الثلاثين أو الستين عاما، فإن ذلك ليس مبررا للكفر بكل ما حدث خلال هذه الفترة.

اليوم، أتوقف عند أحد الموضوعات المهمة والمطروحة بشدة على الساحة وهو الموضوع الخاص بمشاركة المرأة وحضورها فى المجتمع، الأكيد أنه لأسباب عدة، على رأسها تبنى زوجة الرئيس السابق مهمة الدفاع عن قضايا المرأة، فإنه من الملاحظ أن هناك مكاسب حقيقية تحققت خلال هذه الفترة لصالح حضور أكثر تأثيرا للمرأة فى المجتمع.. ولكن مع سقوط النظام وبدء العمل من أجل إرساء القواعد لنظام جديد، من الملاحظ أن هناك تراجعا واضحا فى تناول قضايا المرأة، بل إن العاملات فى مجالات تدعيم وتمكين المرأة – وكل هذه المصطلحات التى سادت خلال الأعوام الماضية – فضلن الاحتجاب وعدم الخوض فى هذه الموضوعات، شاركهن فى ذلك رجال من المثقفين والإعلاميين ورجال الأعمال الذين كانوا يتسابقون للتواجد فى أى مناسبة للدفاع عن حقوق المرأة، حتى يراهم أو يلتفت إليهم من يستهدفون أن تراهم.

الآن، ومع شديد الأسف، خفت الحديث عن المرأة والأسرة والطفل، لأن الحديث عن هذه القضايا سوف يلفت الأنظار إلى من يحمل لواءها، فقد يدعو هذا إلى «ضبطه» أو «ضبطها» متلبسا أو متلبسة بحضور مؤتمر أو مناسبة فى العهد السابق بحضور زوجة رئيس العهد السابق.. وهكذا يدفع المجتمع ثمن هذا التراجع والموقف المتخاذل من قضايا أساسية ومهمة خوفا من ردود الفعل، لذلك لم أستغرب عندما كانت القضية الوحيدة فى برامج العديد من المرشحين لمجلس الشعب هى محاربة العنوسة، ولم أتعجب كثيرا عندما قرر أحد الأحزاب أن يستبدل صورة مرشحته بصورة وردة، وكان طريفا لكن مؤلما عندما تم استبدال صورة الوردة بعدما أثارت جدلا وسخرية بصورة لزوج السيدة المرشحة، داعين الناخبين إلى انتخاب حرم الأستاذ فلان المرشحة لمجلس الشعب.

وانهالت التعليقات على كل المواقع التى نشرت هذه الأخبار، وكانت المفاجأة فى هذا القدر الكبير من التعليقات، وهذا الجدل الدائر بين أصحاب الآراء المختلفة بين هل تظهر صورة المرشحة أم لا، ولعل من التعليقات الجديرة بالتوقف أمامها أحد التعليقات على أحد المواقع الإسلامية السياسية لمن يُعتقد أنها سيدة، لأن الصورة المصاحبة لها صورة ظل امرأة، هذا التعليق يقول: «عندما أرادوا الكناية عن المرأة صوروها وردة.. جزاهم الله كل الخير.

منتهى رهافة الحس، يا ليتنى وردة. رفقا بالقوارير، تمشى وتعمل وتجاهد، وصورة منتقبة لا نرى شكلها = صورة وردة، شىء يرضى النساء لا محالة ويطمئن على نوايا المسلمين الملتزمين كلهم تجاه المرأة». انتهى تعليق امرأة على استبدال صورة المرشحة بصورة وردة أو صورة السيد زوج المرشحة. لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن رئيس أحد هذه الأحزاب صرح بأن المرأة المرشحة ستنزل الدائرة فى جولاتها الانتخابية للتعرف على مشاكل النساء فقط دون التحدث مع الرجال. هذه صورة بسيطة لحالة «للخلف در» التى تسود هذه المرحلة ولا نسمع أصوات الذين كانوا يتسابقون للظهور بمظهر نصير المرأة طمعا فى لفت نظر امرأة واحدة.

ليس كل ما سبق خطأ ينبغى التبرؤ منه، ما حدث فى مجالات المرأة والطفولة والاتجار بالبشر ومنح الجنسية المصرية لأبناء المصريات مكاسب حقيقية لا ينبغى الإطاحة بها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s