تسريح الجيش- العراق نموذجاً

بقلم عبداللطيف المناوى

الجيش المصري

فى المقال السابق تحدثت عن النخر فى أركان الدولة، وأشرت إلى أن من بين السبل المهمة للنجاح فى مهمة إسقاط الدولة هو تفكيك الجيش، أو بحد أدنى تقليصه حجماً ودوراً، وحصاره والتشكيك فى ولائه وجدواه.

وقد يكون من المناسب اليوم التذكير بالتجربة العراقية فى هذا المجال، وذلك عندما قرر بول بريمر – أخطر رجال الاحتلال الأمريكى للعراق تأثيرا فى تطور الأحداث – أن يسرح الجيش العراقى فى مايو ٢٠٠٣، مبرراً ذلك بأن ذلك الجيش هو الذى مكَّن صدام حسين من قمع الشيعة والأكراد وغزو الكويت وتهديد إسرائيل، ويقول «بريمر» فى مذكراته «وفى اللقاءات الأولى مع قادة الأكراد أكدوا أنهم لا يؤيدون ولن يقبلوا أى صيغة تعيد تشكيل وتسليح وحدات الجيش العراقى، الذى خدم تحت قيادة صدام حسين».

وأضاف «بريمر» أيضا أن شيعة العراق عارضوا الكيان العسكرى، وطالبوا بهدم الجيش، وقال «كان الشعور المعادى للجيش لدى الشيعة أكبر وأعنف، فقد تحدثوا عن المذابح التى قام بها الجيش العراقى ضدهم بعد حرب الخليج التى تبعها تمرد شيعى بتشجيع أمريكى، وأعرب الكثير من الشيعة عن ضيقهم بالولايات المتحدة التى لم تنقذهم من رد فعل الجيش ضدهم».

ومن الواضح أن «بريمر» لم يستطع، أو بشكل أدق قرر ألا يميز بين النظام العراقى والجيش، بمعنى آخر بين النظام الذى سقط والدولة التى كان ينبغى ألا تسقط، فالجيش كان كيانا قائما تأسس سنة ١٩٢١ قبل وصول صدام للحكم سنة ١٩٦٨، وقد دأب أعداء صدام على تسمية الجيش العراقى بجيش صدام كنوع من الحرب الإعلامية المضادة لتسفيه الرجل والجيش معا.

لا يمكن إلقاء تبعة هذا القرار على الجهل الأمريكى، فهذا القرار كانت له آثاره المدمرة على مجرى الأحداث فيما بعد، فقد أدى تسريح الجيش إلى زيادة حالة الفوضى والسلب والنهب، التى سادت عقب تسريح الجيش، وخروجه من المعركة، مما فتح الباب تماماً للأمريكيين لاحتلال البلاد. تسريح الجيش فجر حالة الغضب لدى الشعب العراقى فيما بعد، عندما أدرك أبعاد وحجم المؤامرة التى زينت له بأنها الخلاص، وأحد سبل الخلاص هو تسريح جيش صدام.

هذا الوضع أدركه ساسة العراق فيما بعد، تسريح الجيش العراقى كان طعنا فى الكرامة الوطنية، وهو الأمر الذى بدا منعكسا مثلا فى الحملة الانتخابية لإياد علاوى، رئيس الوزراء العراقى الأسبق، عندما جعل شعار حملته الانتخابية فى ديسمبر ٢٠٠٥ «إعادة كرامة الجيش العراقى»، الذى وصفه علاوى بأنه «ركن ركين فى تاريخ الأمة العراقية»، وقال مخاطباً عدداً من ضباط الجيش العراقى فى ذلك الوقت «إنكم تدركون قبل غيركم الدور الذى لعبه هذا الجيش فى تاريخ بلادنا، وقال إن الجيش هو صمام أمن البلاد وركيزتها، والهلب الذى يرسى سفينتها، وعامل التوحيد الذى يربط أجزاء وشتات البلاد، فهو يضم الشيعة والسنة والمسيحيين والتركمان والأكراد والعرب».

وعودة إلى الحالة المصرية فقد يكون من المناسب هنا استحضار إحدى برقيات ويكيليكس، التى أظهرت إحداها أن الجيش المصرى قاوم ضغوطا أمريكية لتعديل استراتيجيته بهدف مواجهة تهديدات إقليمية جديدة، مؤكداً أن الأمن القومى للبلاد «خط أحمر» لا يمكن للولايات المتحدة أن تتجاوزه.

وقالت برقية بتاريخ التاسع من فبراير ٢٠١٠ إن مسؤولين دفاعيين أمريكيين قالوا إن الجيش المصرى متقادم وبحاجة إلى توسيع مهمته لمجابهة «تهديدات متباينة» مثل الإرهاب وتهريب الأسلحة إلى قطاع غزة والقرصنة ودعم السياسة الأمريكية تجاه إيران.

وأظهرت برقية تعود إلى سبتمبر ٢٠٠٨ أن مسؤولين أمريكيين انتقدوا الجيش المصرى، بسبب استمراره فى التدريب على حرب جيش مقابل جيش مع التركيز بدرجة أكبر على القوة البرية والمدرعات.

الغريب فى الأمر أن تخرج الآن أصوات من سياسيين مصريين لتطالب بتغيير العقيدة العسكرية للجيش المصرى، وأن «الجيش عليه دور كبير اليوم فى العالم الذى يتغير، فهناك أخطار جديدة تواجه مصر والجيش، غير الخطر التقليدى وهو إسرائيل، تتمثل فى الجريمة المنظمة والإرهاب» مثل هذا الطرح فى مثل هذا الوقت، وذلك الدفع لخلق حالة جفوة بين الشعب وجيشه هو أمر أخطر كثيرا من اللعب بالنار.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s