مصدر الحياة

بقلم   عبداللطيف المناوى

ينقطع الحبل السري ليبدأ كل منا حياته في رحلة تبدو وكأنها مرحلة من مراحل الاستقلال والعيش المعتمد فيه على النفس ، يقل الاعتماد على مصدر الحياة تدريجيا ـ أو هكذا نظن ـ نبدأ  أولى خطواتنا المتعثرة دون وعي  ـ  أو هو وعي ساكن فينا دون أن ندري ـ تحول بيننا وبين تعثرنا ، أو تساعدنا لننهض ونبدأ رحلتنا مرة أخرى مستقلين معتمدين على أنفسنا ـ أو هكذا نظن ـ وكل مرة في كل أزمة أو كل فرحة نندفع دون أن ندري لنبحث عن مصدر للحياة وكأننا نبحث عن مصدر للطاقة .. بل مصدر للحياة .

ينقطع الحبل السري ـ أو هكذا نظن ـ ونتخطى مرحلة الفطام ـ أو هكذا نظن ـ و نعتمد على أنفسنا في المأكل والحركة ـ أو هكذا نظن ـ ونبدأ علاقاتنا المستقلة التي نريد أن نؤكد بها أننا أصبحنا كبارا ، أصبحنا مستقلين ، ولكن نكتشف دون أن ندري أن كل حياتنا تعود لتدور حول  ذلك المصدر ، مصدر الحياة ، لأننا دون أن ندري فإن حياتنا هي حياة مشتركة  ، بدأت منذ كانت نطفة ، وتظل مشتركة  إلى نهاية المدى الذي لم أعرفه بعد ، الشراكة هنا هي شراكة لا نختارها لأنها حياة ، علاقة أزلية بيننا وبين مصدر هذه الحياة لنا .

ينقطع الحبل السري ـ أو هكذا نظن ـ ولا ينتهي اعتمادنا المادي والنفسي و المعنوي ، نتلمس عناقا بعد غياب ، أو صوتا راض  ، أو دعاء  نظن  أنه سوف يكون المخرج من كل الأزمات ، والدعم لنا في مواجهة الحياة ، نبحث عن الرضا حتى  لو كنا نكابر أنفسنا أحيانا وندعي أننا كبرنا وفطمنا ، وتباعد بيننا الأيام  والمسافات ولكن يظل ذلك الرباط الذي لا نراه دائما ممتدا ، رباطا لا نعرف تحديدا من أية نقطة يمسك بنا ـ أظنها كل نقطة ولكنها تبدأ من أعماقنا ، ليس أعماق الجسد ، لكنها أعماق أخرى لا أدري طبيعتها ، ولكني أظن أنها أعماق روحنا ، والطرف الآخر لهذا الرباط هو الطرف الآخر للحبل السري الذي ربطنا بالحياة وأمدنا الحياة وأعطى معنى لهذه الحياة .

جلست إلى جانب جثمانها ـ مصدر حياتي ـ طويلا ، راقدة في هدوء ، في سلام ، ويمر أمامي شريط حياتي التي منحتني إياها ، أحاول أن أستحضر أول صورة انطبعت في ذهني عنها ، وأذكر فقط نظرتي إلى أعلى كثيرا وهي ممسكة بيدي نسير في الشارع ، لا أذكر كم كان عمري لكني أذكر الحالة ، تفاصيل  كثيرة ، مواقف كثيرة ، أحداث كثيرة ، عثرات ، نجاحات ، إحباطات ، فرح ، حزن ، بعد ، قرب ، ليل ، نهار ، لأكتشف أنها كل تفاصيل الحياة ، كانت فيها ، حضرتها ، عاشتها معي ، دون أن أدري ، أو كنت أدري ،  كانت دائما أينما كنت مهما كان البعد ، ومهما كان الوقت ، كانت هنا ، بل كانت في قلب كل شيء في قلب الحياة .

لم ينقطع الحبل السري ، حتى عندما واراها الثرى ، ظل ذلك الإحساس بأن ذلك الرباط ما زال موجودا ، قويا ، بلا إنكار ولا  ادعاء بأنني كبرت وصرت مستقلا ، الرباط موجود ، وكان موجودا دائما  ، واليوم عرفت أنه سوف يظل إلى الأبد .

أكثر ما سوف أفتقده هو صوتها عندما  كانت ترد على مكالمتي الصباحية لها وهي تقول ” صباح الخير يا روح قلبي ” .

رحمك الله يا أمي .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s