حتى لا ينقطع ما اتصل

بقلم   عبداللطيف المناوى

وفاة اللواء أحمد رأفت مهندس مراجعات الجماعات الإسلامية لا ينبغي أن تكون نهاية مرحلة تفاعل الدولة مع هذه الجماعات ، فالتجربة المصرية الرائدة والهامة في ملف الجماعات الإسلامية والتي انتهت  بإغلاق الجانب العنيف في فكر هذه الجماعات و التي قامت على أكتاف اللواء أحمد رأفت وزملائه هي تجربة كما ذكرت بالأمس ناصعة ومهمة في تاريخ جهاز الأمن المصري ، وهي تجربة وقفت أمامها العديد من دول العالم وحاولوا الاستفادة منها وتطبيقها ، وكما سبق وأن ذكرت بالأمس فإن هذه التجربة تمت باقتناع أحمد رأفت وإدارة وإشراف قيادات الداخلية  .

من خلال متابعتي لهذا الجهد  خلال الفترة الماضية في هذا الملف لهذه المجموعة فإن أكثر ما أخشى عليه هو ألا يتم الاستمرار في هذه السياسة  بالذات  بقوة الدفع التي بدأت بها واستمرت عليها طوال الفترة الماضية .

إن مبادرة الجماعة الإسلامية والتي بدأت بمراجعات فكرية وفقهية في السجون  ، وبإشراف أحمد رأفت وزملائه ، وبعمل حوارات مفتوحة حتى يصلوا إلى الطريق الصحيح ووصلت بأن آتت ثمارها في مراجعات تعيد قراءة الفكر الردايكالي و تبين الصواب من الخطأ ، وتلاها مراجعات تنظيم الجهاد ، والإفراج عن معتقلي الجماعتين : الجهاد والإسلام  لهي تجربة مهمة يجب أن تستمر وألا تتوقف ولم تصل إلى هذه الدرجة من النجاح إلا بدعم وإيمان بأهمية ذلك من أحمد رأفت .

إن من يقرأ نعي الجماعة الإسلامية للواء أحمد رأفت يعرف ماذا كان يمثل هذا الرجل ، فهم يصفونه في النعي بأنه ” مهندس المبادرة الحقيقي.. وصاحب الهمة العالية في تفعيل المبادرة تفعيلا ً حقيقيا ً.. وقائد عملية تحسين السجون المصرية.. والإفراج عن آلاف المعتقلين.. ونشر الأمن والأمان في مصر، وأنه حمل على عاتقه فكرة التصالح بين الدولة والجماعات الإسلامية.. وتنحيه البندقية وتقديم الحوار.. وتنحيه منطق الثأر المتبادل أو العنف المتبادل.. وتغليب منطق التفاهم عليه ،وأول من وضع سياسة لا غالب ولا مغلوب بين أبناء الوطن الواحد.. فكلنا مغلوب مادمنا نتقاتل ونتصارع.. وكلنا غالب ما دمنا نتفاهم ونتحاور من أجل مصلحة بلادنا ، و الرجل الفذ الذي رحم الفقير وعطف على المعتقل ، وهو الذي غامر بمنصبه ومجده الشخصي والوظيفي تقديما ً لمصلحة الوطن على مصلحته الشخصية.. فقد جعل منصبه على محك نجاحه في تجربة المبادرة وكان مخلصا ً لدينه ووطنه لتحقيق هذه المصالحة التي أصبحت نموذجا ً يحتذى في كل البلاد العربية نقول هذه الكلمات عرفاناً بفضله ووفاءً لعطائه وتذكرا ً لجميله.. فقد كان فذاً وسابقاً لأقرانه في كل شيء ” .

هذا الرثاء يعبر عن تلك العلاقة التي تميزت بقدر كبير من التواصل والاهتمام بأدق تفاصيل حياتهم ،و مساعدتهم في مواجهة المجتمع من قبل إلى الانغماس في الحياة بعد خروجهم من المعتقلات.

ما أخشاه أن ينقطع ما اتصل ، وأظن أن ما حدث لم يكن سياسة فرد وبكنه سياسة مؤسسة ، وثقتي كبيرة أن سياسة المؤسسة في التواصل في التعامل مع هذا الملف بنفس القدر من العناية والاهتمام هي سياسة مستمرة وستستمر .

مرة أخرى رحم الله أحمد رأفت ووفق زملاءه في وصل ما اتصل .

أعتقد أن قيادات وأعضاء الجماعة الإسلامية الآن يعانون حالة من القلق ، حول طريقة تعامل الدولة معهم  بعد رحيل اللواء أحمد رأفت،  وأنهم يخشون من انقطاع ما اتصل مع الدولة و يخافون من تحول نطرة الدولة إليهم والنظر إليهم مرة أخرى على أنهم في طرف المجتمع ، ولكني أعتقد كما قلت بالأمس ان ما كان يقوم  به اللواء أحمد رأفت مع أعضاء وقيادات الجماعة الإسلامية هو توجه عام للدولة أتمنى أن يستمر .

ظلت الجماعات الإسلامية لفترة طويلة على طرف المجتمع  ، تقف ضده ، وتكفر أفكاره ، حتى وصل الأمر في أقصى درجاته الدراماتيكية إلى حد اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات ، وفي الوقت الذي كانت القيادات التاريخية للجماعة خلف السجون ، كان بعض أعضاء الجماعة في الخارج يقومون بعمليات تفجير وترويع  ضد السياح ورجال الأمن ، ودخلت مصر في دوامة من الحرب المتبادلة بين أعضاء الجماعة من جهة وبين قوات الأمن والدولة من جهة أخرى، بلغت مداها في الحادث الذي عرف بمجزرة الأقصر ، عادت قيادات الجماعة الإسلامية إلى الحقيقة وعرفوا أن كل ما حدث لم يكن في مصلحة الوطن والدين ، وأطلقوا مبادرتهم لوقف العنف ، وقاموا بمراجعاتهم الشهيرة تحت إشراف وبدعم اللواء أحمد رأفت وزملائه و برعاية قيادات الداخلية ، وقاموا بتصحيح المفاهيم وقاموا بجولات في السجون لنشر المراجعات ، وانتهى الأمر بخروج أعضاء الجماعات من المعتقلات بعد أن تراجعوا عن فكرهم الراديكالي التفكيري ، وعودتهم إلى صفوف الوطن ، وهو ما كان اللواء أحمد رأفت حريصا عليه حتى آخر عمره  ، حيث كان دائم السؤال والمتابعة و الدعم والاهتمام بأدق تفاصيل ومساعدة كل أعضاء الجماعة الإسلامية .

إن حالة القلق التي يعاني منها أبناء الجماعات بعد رحيل اللواء أحمد رأفت هي حالة مشروعة ، ومن حقهم أن يخشوا من تغير تعامل الدولة معهم ، ولكن كما قلت أعتقد أن كل ما حدث لم يكن توجه فرد لكنه  سياسة مؤسسة أتمنى أن تستمر ، ويجب النظر إلى أعضاء الجماعات الإسلامية على أنهم قوة مضافة للمجتمع يجب النظر إليهم على أنهم جزء من الوطن من الممكن أن يساعدوا في بنائه ، بل يجب الاستفادة منهم في بناء الوطن .

بل أعتقد أنه يجب إعادة طرح تجربتهم مرة أخرى على الشباب ، والأجيال الجديدة حتى يستفيد الجميع منها ، وهذه التجربة موجودة بالفعل ، ومسجلة، وأعتقد أنه في حالة عرضها فإنها تحمل رسالة حقيقية للمجتمع ، تروي وتوثق من جانب تجربة مهمة  من عمر هذا الوطن ، ومن عمر أبناء الجماعات ، وتقدم من جهة أخرى للأجيال الجديدة من أبناء الوطن مراجعات تفند وتوضح الطريق الحقيقي .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s