الفيل ليس أرنبا

بقلم   عبداللطيف المناوى

أحد التعبيرات التي توقفت أمامها مبتسما أمس في حديث لي مع المسئول عن أراضي الدولة عندما قال إن البعض أتي إلى الدولة في يوم من الأيام ، وهو يحمل فيلا ضخما كتب عليه أنه ” أرنب ” ، فصدقته الدولة  ، أو بعض مسئوليها ، وتم التعامل مع الفيل على أنه أرنب ، وخرجت التصاريح  ، وتم تسعير الأراضي ، وتم التخصيص على أن الفيل ليس سوى أرنب ، ومرت السنوات وعاش الفيل وصار أفيالا ، وظل قادرا على إقناع الدولة بأنه مجرد أرنب ، وظلت الدولة تصدقه ـ أو بعض مسئوليها ـ لا نعلم لماذا ، ونريد أن نعلم لماذا .

ما حدث في مصر خلال العقود الأخيرة يحتاج إلى وقفة حقيقية يتم فيها فتح ملفات ما كان من صفقات على حساب أراضي وأملاك الدولة ، نريد أن نعلم كم فيلا تعاملت الدولة معه على أنه مجرد أرنب ، ونريد أن نعلم من من صغار أو كبار مسئولي الدولة تورط بعلم أو بغير علم في ذلك ، والأهم نريد لهذا الوطن ولأبنائه أن يستعيدوا  ما لهم من حقوق ضاعت نتيجة إجراءات خاطئة أو ضعف نظر من لم يستطع أن يميز الفيل من الأرنب .

لا أتوقع مع ما أتابعه من توجه للقيادة السياسية هذه الأيام تجاه هذه العشوائية في التعامل مع ملف املاك الدولة وأراضيها أن يتم اتباع سياسة ” عفا الله عما سلف ”  ، ولنحافظ على ما تبقى ، لا اظن أن هذه السياسة تتفق إطلاقا مع توجهات القيادة السياسية التي ترجمتها ـ أي هذه التوجهات ـ في شكل إجراءات .

للدولة مركز اسمه المركز الوطني لتخطيط استخدامات أراضي الدولة ، هدفه وفقا لقرار إنشائه التنسيق الكامل بين أجهزة الدولة لتحقيق أحسن استغلال ممكن لأراضيها ، ومتابعة تنمية هذه الأراضي ، وإحكام الرقابة عليها من التعديات ، وأظن أنه ينبغي أن يضاف إلى مهام هذا المركز ـ الذي يرأسه اللواء عمر الشوادفي ـ مهام مراجعة ما فات من إجراءات بيع أراضي الدولة ، وحصر ما تم التعامل معه باعتباره فيلا أو اعتبر أرنبا .

الذي اغتصبوا أراضي الدولة ارتكبوا مخالفات تستحق المحاسبة ، أولى هذه المخالفات انتهاك شروط التعاقد ، فهم أخذوا الأرض لهدف محدد هو استصلاحها وزراعتها ، وهذا هدف ” قومي ” نبيل ننحني له جميعا ـ لو كان قد حدث ـ ، ولذلك تم منحهم الأراضي بأسعار زهيدة ورمزية ، ولن أقول بخسة لأنكم ستقولونها ، لكنهم لم يلتزموا بهذا الهدف ، بل تاجروا في الأرض وتربحوا منها في مشروعات لا علاقة لها بالزراعة ، بل تحولت إلى مشروعات عقارية، وملاعب جولف ـ ولها مقام آخر في الحديث ـ وتجارة أراض بهدف الكسب و فقط ، ولتذهب الزراعة و الاستصلاح و الأهداف القومية ومعها المياه الجوفية ” بالمرة ” إلى الجحيم .

إنها مأساة .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s