ثورة الشك

بقلم   عبداللطيف المناوى

قال الإمام الشافعي ” وجود الشك هو أصل بداية الخيط لإيجاد الحقيقة ” بمنطوق آخر ، فإن الشك هو أساس اليقين ، هذا النوع من الشك هو شك إيجابي ، فلا سبيل لليقين من الأشياء إلا من خلال بذرة الشك تدفع إلى البحث عن حقائق الأشياء للوصول إلى اليقين ، أيا ما كان هذا اليقين سلبيا أو إيجابيا ، هذا ما يمكن أن نطلق عليه الشك البناء .

النوع الثاني من الشك هو الشك المدان ، وهنا يمكن أن ينطبق عليه مفهوم التشكيك أكثر منه الشك ، ولا تكون الوسيلة هنا هي البحث للوصول إلى اليقين ، ولكن يكون الشك من أجل خلق تلك الحالة من زعزعة اليقين ، وتكون هنا الأهداف واضحة المعالم ، الغرض هو التهديم ، وبكافة الوسائل المتاحة .

هذه ليست مقالة فلسفية ، ولا أسعى هنا لاستعراض مفهوم الشك الفلسفي لدى ديكارت ، أو مفاهيم الشك المختلفة في العلوم الطبيعية ومجالاتها التطبيقية أو العلوم الإنسانية ، ولكني هنا أتحدث عن نوع الشك الذي بات يسود المجتمع ويقود حركته ، وهل يندرج هذا النوع من الشك تحت مفهوم الشك البناء أم الهدام ، ومن يدفع به ـ أي الشك ـ في أي من الاتجاهين .

مع الأسف الشديد نحن نعيش حالة يسود فيها إلى حد كبير مفهوم الشك الذي لا يهدف إلى الوصول إلى اليقين ، ولكن هناك من يدفع الأمور دفعا في اتجاه النوع الآخر من الشك ، من الملاحظ ان هناك حملة دائمة في كل ما يواجه المجتمع من أجل المجتمع من أجل التشكيك فيما يحدث من وقائع .

أنا أؤمن تماما بأهمية البدء بالشك في الأمور ،  من أجل البحث عن اليقين الذي سبق أن أشرنا إليه ، من حقي كمواطن أن أشك مثلا في أسباب وفاة شاب الإسكندرية ، طالبا وضاغطا من أجل البحث عن أسباب الوفاة ، ومن حقي في مرحلة تالية أن أشعر بدرجة مختلفة من استمرار الشك مع ظهور تقارير أولية ليست نهائية من أجل الوصول أيضا إلى اليقين .

ولكن لست مع من يستغلون هذه الحالة من أجل الدفع بشكل مستمر إلى تصعيد حالة الشك إلى مستويات أعلى ومستمرة في كل ما يحدث من إجراءات ، أو أن أصل بالشك بسبب دفع هؤلاء إلى درجة عدم اليقين في كل ما يحيط بنا ، وكل ما يحدث معنا .

أظن أن حالة عدم  اليقين ، وحالة الشك الدائم في كل ما يحيط بنا ليست  في  صالح هذا الوطن ، وأظن أن من ينظرون إلى الأمور ، بنظرة ضيقة من أجل تحقيق هدف سياسي أو حزبي ضيق ، أو من تسيطر عليه روح انتقام أو عداء للنظام أو للمجتمع ، أظن أن هؤلاء إنما يقامرون بل ويحرقون مستقبل هذا الوطن .

أنا هنا لا أتحدث عن قضية بعينها ، ولكن أتحدث عن حالة تستدعي التوقف للتفكير ، ودق جرس ـ بل أجراس ـ الإنذار ، فثورة الشك  الهدامة إذا سادت لن تبقي بناء دون هدم .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s