سوق الجمعة الذي كان هنا

بقلم   عبداللطيف المناوى

سوق التونسي المعروف باسم ” سوق الجمعة ” يبدو أنه سوف يختفي من مكانه الذي اعتاد عليه رواده من التجار والزبائن ، جاء حريق فجر الثلاثاء الماضي ليضع كلمة النهاية على استمرار هذا السوق في هذا المكان ، ولكن يبدو أن الحريق الذي أتى على السوق نتيجة سقوط سيارة مسرعة من أعلى الكوبري رحم الله من كان فيها الذين أنهوا حياتهم بسبب السرعة ، وكذلك وضعوا نهاية لهذا السوق ، يبدو أن هذا الحريق لن ينتهي عند هذا الحد ، بل بدأ شرارة لحريق آخر بين التجار الذين اعتادوا أن يكون سوق التونسي هو مكانهم لسنوات ، وبين الأجهزة الإدارية للدولة التي رأت أن هذا يصلح لأن يكون مناسبة لنقل هذا السوق من هذا المكان إلى مكان جديد في مدينة 15 مايو ، ففي الوقت الذي أكد فيه رئيس حي الخليفة صدور تعليمات من محافظ القاهرة بإزالة السوق تماما ، وعدم السماح بإقامته في موقع الحريق ، هدد تجار السوق بقطع طريق الأوتوستراد إذا لم يتم تعويضهم عن الخسائر التي تكبدوها .

سبق وأن زرت سوق الجمعة  من قبل ، وهو يعتبر من اكبر الأسواق في مصر إن لم يكن في المنطقة العربية كلها. يمتد لمسافة عدد من الكيلومترات، يبدأ من منطقة السيدة عائشة مرورًا بالبساتين وسط المقابر وحتى أطراف حي المعادى ، ليس هناك اختلاف كبير بين حال تجاره ورواده، فكلاهما تجمعهما ظروف معيشية صعبة أجبرتهما على التواجد في هذا المكان، بائع يبحث عن مصدر رزقه وقوت يومه، ومشترٍ لن يجد بضاعته إلا في هذا المكان بالسعر الذي يناسبه .

نظام خاص بالسوق فرض نفسه ونظم نفسه ، يبدأ بسوق طيور الزينة والعصافير، ومن بعدها سوق الملابس، ثم الأنتيكات والتحف، فسوق الحمام ومن خلفها سوق الكومبيوتر والساعات والنظارات، ثم سوق الكلاب والحيوانات والطيور ومن ورائها سوق الجوالات، ثم بعد ذلك سوق الحديد الخردة ، المسروقات خاصة من الأحذية وأجهزة الجوال والدراجات والملابس والنظارات والساعات ، لها مكانها بين القبور في السوق، ولها زبونها أيضا، الذي لا يجد حرجا في شرائها.

 لكن تظل بعض الملاحظات على ماحدث : المتابع يكتشف أن هناك قرارا بالإزالة منذ أكثر من عامين للسوق ، وإيجاد مكان بديل ، ولم يحدث هذا ولا نعرف لماذا ؟ هل كان انتظارا للحريق ؟ أيضا ما حدث هو تعبير عن ذلك الاقتصاد العشوائي الذي لا ينظمه قانون ولا يوجد أي أساليب حماية للعاملين تحت مظلته ، بحيث لو حدث مثل ما حدث فلا يوجد غطاء تأميني يعوض هؤلاء ، ولا توجد وسيلة لمعرفة من أضير وكيف يعوض .

ما حدث هو إنذار جديد حول حالة العشوائية التي تحكم الكثير من حياتنا ، نحتاج إلى وقفة حقيقية لرصد هذه الحالة العشوائية وأسبابها وسبل التعامل معها ، ولا ينبغي أن ننتظر حريقا أو سقوط صخرة لمعالجة أمور نراها أمام عيننا

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s