هل لا زال النيل هبة مصر ؟

بقلم   عبداللطيف المناوى

هل مصر على حق فى موقفها فى قضية مياه النيل ؟ كمصري ، وأظننا جميعاً نقولها قولاً واحداً : نعم ، حق لنا ، عشنا حقيقة أن مصر هبة النيل ، وعشنا عمرنا وعمر أجدادنا بأن هذه المياه حقيقية حاضرة غير قابلة لمناقشة استمرارها ، وغير متخيل أن نشعر بخطر يهدد حقوقنا فيها ، لكن ما حدث مؤخراً من جدل كبير أثار مرة أخرى التخوفات وهز الشعور الذى كان طاغياً بالاطمئنان بأنه لا مساس ، ولكننا صحونا على وضع مناقض لهذه الحالة من الإطمئنان ، إذ بدأنا نسمع عن مشكلات مع دول حوض النيل ، ووصل الأمر أخيراً إلى التلويح بما نسميه حالة من التمرد من دول المنبع وعددها سبع دول على الإتفاقيات التاريخية المنظمة لتوزيع حصص المياه على الدول المختلفة .

هذه المشكلة ليست وليدة اللحظة ، وليست وليدة وقت قريب ، ولكنها بالتأكيد نتاج سياسة تم إنتهاجها لعقود لم تضع في اعتباراتها احتمال حدوث مثل هذا اليوم ، وهذه قضية أخرى تحتاج إلى مناقشات جادة ولكن فيما بعد .

تطورات الأزمة  بعد اجتماع شرم الشيخ وصلت إلى إصدار دول المنبع لبيان تعلن فيه أنها ستبدأ فى 14 مايو المقبل إجراءات التوقيع على إتفاقية إطارية للتعاون بين دول حوض النيل منفردة دون دولتى المصب مصر والسودان ، هذه الاتفاقية الإطارية نوقشت فى اجتماع شرم الشيخ الذى عقد مؤخراً وفشل فيه المجتمعون في التوصل إلى إتفاق حول بند الأمن المائى الذى يحافظ على الحقوق التاريخية لمصر فى حصة مياه النيل والتى تصل إلى 5 . 55 مليار مكعب ، وهذه هى نقطة الخلاف الرئيسية ، إضافة إلى نقطتين أقل أهمية هما الإخطار المسبق لمصر قبل إقامة أية مشاريع مائية مثل السدود ، وضرورة الحصول على موافقة الإجماع أو موافقة الاغلبية التى يجب أن تضم مصر والسودان على تلك المشاريع  ، دول المنبع السبع بقيادة أثيوبيا تصر على رفض هذه النقاط ، وتصر على إيجاد آلية جديدة لتقاسم مياه النيل عوضاً على الإتفاقات السابقة التى تقول هذه الدول انها وضعت فى عهد الإستعمار .

يقول المؤرخون إن مصر هبة النيل ، و يقول بعضهم إن النيل هو هبة مصر ، لكن ـ مع كل هذه المشكلات ـ هل لا زال الأمر كذلك

تعتبر الدول التسع المشتركة مع مصر فى حوض النيل  دولاً غير مستقرة ، وغير قادرة على أن تبدأ مشروعات كبرى على النهر أو إستصلاح أراض زراعية ، ولديها أوضاع داخلية تعانى منها ، فبعضها يعاني من حروب أهلية وصراعات قبلية ومشكلات إقتصادية ، ومثل هذه المشروعات الكبرى تحتاج إلى تمويل دولى ، وهذا التمويل لن يأتى دون دراسات جدوى تقر من كل الدول المنتفعة بالنهر ، ومن هنا يأتى مدخل مصر للتعامل مع هذه الازمة ، وأيضاً هذه النقطة هى إحدى النقاط التى يمكن ان ترجح عدم وجــود خطر عاجل يهدد تدفق النيل إلى مصر فى المستقبل المنظور .

هناك عدة تحركات سياسية لمصر فى المرحلة المقبلة أهمها بالتأكيد حرص مصر على علاقاتها الوطيدة من دول حوض النيل وخاصة أثيوبيا التى ترتبط مائياً مع مصر والسودان ، وان تنمية موارد الهضبة المائية يقوم على المشاركة الفعالة للدول الثلاث .

تتمتع معظم دول الحوض بأكثر من مصدر للمياه بينما لاتزيد حصة مصر من الأمطار 20 ملم فى الوقت الذى يصل فى بعض الدول من دول الحوض إلى 20 الف ملم ، أى أن مصر تعانى عجزا مائياً وصل إلى أكثر من 30 % وتتغلب عليه من خلال إعادة الإستخدام ، من هذا المنطلق فإنه ينبغى أن نعلم أن أى تكلفة أو عبء أو جهد يتم فى منطقة دول حوض النيل ليس إهدارا للموارد أو الطاقات ، وإنما هو شكل من أشكال الاستعمار المباشر فى المستقبل ، وبالتالى فإن التعاون والاقتراب من هذه الدول هو مسألة مصيرية ومهمة ، ومن هنا تأتى أهمية المباردة الرئاسية لإنشاء مفوضية دول حوض النيل بغض النظر عن التوقيع الآن على الاتفاقية الإطارية بين دول حوض النيل . ويتوازى مع ذلك مسألة مهمة جداً هى الحرص على عدم التصعيد فى لغة الخطاب حول هذه القضية ، مع التأكيد على أن حقوق مصر التاريخية فى مياه النيل هى حقوق غير فابلة للمناقشة أو المساس بها .

ولكن فى ذات الوقت لا ينبغى أن تأخذ الحماسة البعض منا ، أو الرغبة فى تحقيق بطولات وهمية بأن نصل باللغة الى حد التهديد والوعيد ودق طبول لحرب ليس لها طبول ، ولكن تكون معالجة الأمربالصبر والإستمرار فى التفاوض وتأكيد مفهوم التعاون كأساس لتعويض ما فات والحفاظ على حقوقنا التى لن تمس .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s