مصريون على رصيف الحكومة

بقلم   عبداللطيف المناوى

منذ عدة سنوات ـ في عام 2005 ـ من كان يمر من ميدان مصطفى محمود في حي المهندسين بالقاهرة كان يلاحظ مجموعات صغيرة من الإخوة السودانيين يتجمعون صباحا في الحديقة المواجهة للمسجد هناك ، كان يمر من يمر ، ويشاهد تلك التجمعات الصغيرة ويتساءل للحظة ثم يمر دون أن يسأل ماذا يحدث ، بعد فترة قصيرة تطورت الأمور بأن أصبحت تلك المجموعات تتواجد صباحا ومساء ، بل وبدأت تقضي ليلها في الحديقة ، ازدادت التساؤلات عما يحدث ، وتطور الفضول إلى مرحلة البحث عن إجابة ، وكانت الإجابة أن هؤلاء جاءوا ليحتجوا أمام مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة .

اكتفى من سمع الإجابة بما سمع  ، ولم يلق اهتماما ، وظل الوضع هكذا يوما بعد يوم ، ثم تطور ، وتحول عدد المتجمعين والمقيمين في ميدان مصطفى محمود من عدة أفراد يعدون على أصابع اليدين إلى عدة آلاف ، وتحولت الحديقة إلى مخيم مغلق  ، و تحولت أزمة بسيطة كان من الممكن حلها مبكرا إلى أزمة تم حلها بثمن باهظ دبلوماسيا وسياسيا وأمنيا ، بعد أكثر من ثلاثة أشهر من تهاون التعامل معها مبكرا .

تذكرت هذه الصورة وأنا اتابع التجمعات أمام البرلمان ومجلس الوزراء، والتي بدأت بوقفات احتجاجية من عمال وموظفين من هيئات ومصانع وشكرات مختلفة ، وكان الأمر ينتهي عند حد الوقوف والتعبير عن الرأي ورفع الشعارات بالمطالب التي يعتقد أصحابها في أحقيتهم بها ، حتى هذا المستوى من التعبير يظل الأمر مقبولا ، وبالفعل تم التعامل بمستوى راق من الجهات الأمنية المختلفة ، لكن التطور الجديد الحادث هو ذلك التحول في التعبير من حدود الوقوف للتعبير عن الموقف إلى الإقامة على الرضيف في ممارسة حياتية كاملة استمرارا في التعبير عن مواقفهم أو سخطهم ، فقد تحول رصيف مجلس الشعب ومجلس الوزراء إلى أماكن إقامة دائمة للمعتصمين و المحتجين ، وفي إطار ممارسة الحياة العادية أقام المعتصمون بمختلف انتماءاتهم شعائر صلاة الجمعة عدة مرات ، ووقف بينهم الخطباء يصبون جام غضبهم ودعائهم على من يعتقدون أنه ظلمهم ، واحتفل المعتصمون بالمناسبات الدينية والإجازات الرسمية ، آخر هذه الاحتفالات كان احتفالهم بشم النسيم ، وتباين مستوى احتفال كل منهم حسب مقدرته ، وتبادلوا التهاني والحديث .

رغم طرافة جزء مما يحدث ونراه من مظاهر على رصيف البرلمان و الحكومة إلا أنه تعبير متعدد الاتجاهات عن أمور عدة معظمها مر ، وبعضها ينذر بخطر حقيقي ناتج عن معالجات خاطئة لأزمات كان يمكن أن تحتوى  في مراحلها الأولى .

ما يحدث الآن هو تهاون في التعامل مع مشكلات بدأت صغيرة وتركت ـ ونظرنا إلى  احتجاج أصحابها بأشكال مختلفة بقدر من التجاهل أحيانا والاستخفاف أحيانا أخرى ، و ترك البعض منا تفسيراته لتصل إلى الحدود التآمرية باستغلال هذه الاحتجاجات لأغراض سياسية من قبل أطراف سياسية يعتقد ذلك البعض أن هدفهم ـ أي هذه الأطراف ـ هو خلق حالة من التوتر و القلق في المجتمع .

وسوف أناقش هذه النقطة الأخيرة لأنطلق منها إلى النقاط الأخرى ، صحيح أن بعض القوى السياسية ـ سواء المعارضة للحكومة أو المناوئة لها ـ تستخدم هذه الأحداث من أجل إثبات موقفها ورأيها في الأداء الحكومي ، والبعض منها يريد بالفعل إحداث قدر من القلق والهزة في مواجهة الحكومة ، ولكن يظل السؤال المهم و هو من الذي  خلق المجال والأجواء والتربة الخصبة من أجل وجود مثل هذه الوقفات  بهذا المستوى الذي يتطور من مجرد وقفات احتجاجية وتعبير عن ظلم ـ يعتقد المجتمعون أنه واقع عليهم ـ  إلى إقامة كاملة تشكل نواة صالحة تماما للتحول إلى أزمة حقيقية ، لن نعلم مداها إلا عند مواجهتها .

لذلك فإن الارتكان إلى فكرة أن هؤلاء يقعون في إطار مخطط سياسي ، سند خاطئ وخطير ، فالناظر إلى وجوه المصريين المقيمين على رصيف البرلمان والحكومة يراها وجوها مصرية أصيلة أنهكها إحساسها بالظلم ـ حتى لو لم يكن حقيقيا ـ ومعاناتهم  من التجاهل من قبل قياداتهم ـ حتى لو كانت معاناة مبالغ فيها ـ ولكن الأكيد أنهم ليسوا جزءا من تنظيم يستهدف النظام العام واسمه .

من هنا تنطلق الأسئلة المهمة التي تحمل في طياتها جزءا من الإجابة عليها ، هل أصبح رصيف مجلس البرلمان والحكومة الحل السحري لمشكلات هؤلاء المصريين من عاملين وعمال في مصالح الدولة وشركات القطاع العام و قطاع الأعمال و الشركات المخصخصة ، والباحثون عن حقوق يعتقدون بأحقيتهم فيها من شقة أو علاج ؟

والسؤال الآخر اللصيق بالسؤال السابق : أين الوزراء المسئولين عن هذه القضايا ؟ وأين المسئولين الآخرين المنوط بهم التعامل مع مثل هذه المشكلات و المطالب ؟ و لماذا تراجع إحساس هؤلاء الناس عن أن ما خلف رصيف البرلمان والحكومة بات عاجزا عن التعبير عنه أو تحقيق مصالحه ؟

المشكلة خطيرة ، والخطورة هنا ليست في نوعية مشكلات هؤلاء المعتصمين و التي تبدو في معظمها بسيطة وقابلة للحل ، ولكن الخطورة تكمن في أسلوب تعامل المسئولين عن هذه القضايا و المشكلات مع أصحاب هذه المطالب ، التعامل مع هذا التطور الأخير بقدر من الاستخفاف أو التهاون .

مرة أخرى لا أدعو هنا إلى حل أمني ، ولكن على كل مسئول أن يتحمل مسئوليته ليس بمنطق الانصياع للمطالب حتى لو كانت من غير حق ، ولكن بالتعامل بحرفية مع إدارة هذه المشكلات ، والأزمات التي يواجهها ، على كل مسئول أن يتحمل  هو حل المشكلات و المطالب التابعة له ، لا أن يصدرها إلى رصيف البرلمان والحكومة ، على كل مسئول أن يتحمل مسئولياته وأن يجمع ناسه وأن يدير أزماته لا أن يصدرها وندفع نحن جميعا الثمن .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s