شيخ الأزهر

لم يلق خبر تولي شخصية عامة منصبا من الترحيب كما لقي نبأ تعيين دكتور أحمد الطيب شيخا للأزهر ، رغم بعض الأصوات الصادرة من بعض الاتجاهات السياسية والتي انتقدت قرار توليه الإمامة الكبرى ، إلا أن هذه الأصوات اختفت وسط تيار الترحيب برجل يحمل من الصفات ما سمع الناس عنها ولمسها من اقترب منه ، والأمل في أن يعيد للازهر المكانة التي هي له بحكم التاريخ والمكانة والأثر في العالم .

شخصيا كنت من أشد المتحمسين للشيخ الطيب منذ أن كان مفتيا للديار المصرية ، كنت قد التقيته ذلك الوقت بمكتبه بدار الإفتاء ، واكتشفت ملامح شخصية المصري الحقيقي في د. الطيب ، ليس فقط ملامح  ” الطيبة ” على وجهه والتي هي تأكيد على أن لكل من اسمه نصيب ، ولكن أيضا لما امتلك من أركان تكوين لشخصية ضاربة في جذور مصر بثقافتها ، وتاريخها ، وتسامحها وتعددها ، لذلك ما كنت أتمناه عندما بدأ الحديث عن شيخ جديد للازهر ، أن تلقى المهمة على عاتق د. الطيب .

الدكتور أحمد الطيب شخصية متعددة الجوانب ، ويجمع بين صفات تبدو للوهلة الأولى متناقضة لكنها بشيء من الـتأمل تبدو متكاملة ، فهو يحمل صرامة الرجل الصعيدي القادم من الأقصر ، ويحمل استنارة وليونة الرجل المتحضر ، ولديه زهد المتصوفين الذين ينتمي إليهم .

بسيط من أسرة بسيطة ، لكنها متميزة من الناحية العلمية والاجتماعية لا من الناحية المادية ، فأجداده جميعهم تقريبا من العلماء، ويقول أنه اكتسب صفاته من جده الأكبر العالم الجليل الذي توفي عام 1956 عن عمر يناهز مئة عام ، وبلدته التي ينتمي إليها وهي القرنة بمحافظة الأقصر بجنوب مصر ، لا هي قرية ولا هي مدينة ، ولا هي خليط بين الاثنين لكنها تجمع كل تاريخ وحضارات مصر المتعاقبة منذ الفراعنة

إذن د. الطيب هو ابن الحضارة المصرية الضاربة في جذور التاريخ ، وهو ابن الثقافة المصرية الوسطية ، ووثيق الصلة بالصوفية التي بدأت من مصر ، وجذوره الفكرية هي الأصول الفكرية الصحيحة  للإسلام

فالواقع يقول إن الإمام الأكبر الجديد قد تم تعيينه ، وهو تعيين لقي قدرا ملحوظا ـ وقد يكون مفاجئا ـ من التقدير والاستحسان ، هذا بالطبع لا ينفي الحق في الاستمرار في طرح فكرة اختيار شيخ الأزهر بالانتخاب ، أو إيجاد أسلوب آخر للاختيار ، ولكن ذلك النقاش ينبغي ألا يكون منبت الصلة بالواقع المحيط ، أو بالظروف الحاكمة للمجتمع ، وبالتالي فإن النقاش ينبغي أن ينبني على دراسة الحالة ككل والوضع العام حتى يكون النقاش جديا وليس بغرض التشكيك .

وبالتالي فإن الحوار الذي أظن ان هذا وقته هو الحوار حول تأكيد مكانة الأزهر وشيخه في المؤسسة المصرية ، أعيد مرة اخرى ” المؤسسة المصرية ” بمفهوم التكوين المصري كله وليس السياسي ، وتأكيد هذه المكانة يبدأ بأسلوب التعامل مع الإمام الأكبر بين مؤسسات الدولة ، ومحددات تعامل الإمام الأكبر مع الإعلام ، والشكل العام لحضور الإمام الأكبر في المحافل الدولية والمشاركات .

أظن  ـ ويظن معي كثيرون ـ أن أولى خطوات تأكيد استعادة مكانة شيخ الأزهر هو التأكيد على أسلوب التعامل معه في مؤسسات الدولة بإكمال محددات هذه المكانة في قواعد التعامل وبروتوكولات الدولة ، فشيخ الأزهر يستقبل في المشيخة المسئولين ، ويتعامل باعتباره ممثلا للأزهر بما يعني هذا الاسم من مكانة ودلالة .

مكانة شيخ الأزهركمكانة البابا في الفاتيكان ، وعلى مؤسسات الدولة أن تضع ذلك في حسبانها ، وأن يتعامل الإمام الأكبرمن هذا المنطلق ، وأظنه ينبغي أن يكون جزءا من أي تمثيل مصري ولقاءات مصرية على المستوى الدولي .

إعلاميا فإنه ينبغي أن يكون للإمام الأكبر في كل مرة يظهر فيها إعلاميا أن يكون ظهورا محسوبأ ، وأن يكون بقدر الإمكان في قلعة الإسلام الأزهر، أما المشاركة في المحافل الدولية أيضا ينبغي أن تكون مشاركة يحكمها دائما مكانة الأزهر، حضور شيخ الأزهر في أي محفل يجب أن يكون حدثا كبيرا ، ونتمنى ونعتقد أن هذه الأمور جميعها حاضرة في ذهن الإمام الأكبر الذي يمكن أن يحقق ذلك باقتناعه به ، وبدعم من كل من ينبغي أن يدعم ذلك التوجه .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s